يتميّز كتاب «الأم» للإمام الشافعي، رحمه الله، بكونه ليس مجرد كتاب فقه تُذكر فيه الأحكام الفقهية الخمسة الأساسية، وإنما هو مدرسة فقهية كاملة تُظهر طريقة الاستدلال، ومنهج الترجيح، وأدب الخلاف، ودقة التعامل مع النصوص الشرعية.
فالإمام الشافعي في كتابه هذا -مثلاً- لا يكتفي بأن يقول: «والصحيح كذا» أو «يحرم كذا».
ولكن الشافعي، في رقي ومنهجية متزنة، يصحب القارئ خطوةً خطوة في طريق الوصول إلى الحكم، فيعرض الدليل.
ثم يناقش الاعتراض.
ثم يوازن بين الأقوال.
ثم يخرج بالنتيجة التي يراها أبرأ للذمة وأقرب للحق من وجهة نظره رضي الله عنه.
ومن أهم ما يميز هذا الكتاب عن غيره من كتب الفقه أن الإمام الشافعي ربط الفقه ربطاً محكماً بالحديث النبوي الصحيح، حتى صار كتاب «الأم» من أوضح التطبيقات العملية لقاعدته الشهيرة: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
فنراه كثيراً ما يذكر القول، ثم يقول: «فإن ثبت الحديث قلنا به، وإن لم يثبت لم نقل».
وهذه الدقة في تعليق الأحكام على ثبوت الدليل كانت سابقةً في زمانه، وجعلت كتابه مرجعاً في الجمع بين الفقه والحديث.
وهذا ما يُرد به على بعض ممن يدَّعون على منهج الإمام الشافعي ما ليس فيه.
ومن دلائل دقة هذا الكتاب أن الإمام الشافعي كان يراجع آراءه بلا حرج، فيصرح أحياناً بأن هذا القول غير الذي كان يقول به قديماً، أو أن هذا أولى مما سبق.
وهذا يدل على أمانة علمية نادرة، ووعي بأن الحق أحق أن يُتبع، وأن علم الفقه الحقيقي ليس فيه تعصب لرأي، بل بحث صادق عن مراد الله ورسوله.
ولذلك صار فقهه الجديد -المدوَّن في «الأم»- هو المعتمد عند جمهور الشافعية دون أي حرج أو مكابرة كالتي نراها عند بعض الناس.
ومن القضايا المميزة التي تناولها الكتاب مسألة الاستدلال بخبر الواحد، حيث قرَّر الإمام الشافعي قبوله في الأحكام إذا صح سنده، وردَّ على من رده بالرأي أو بالعمل، وناقش أدلتهم مناقشة عقلية ونقلية دقيقة.
وهذا البحث لم يكن فقهياً فحسب، بل أصولياً مؤسساً لمنهج الاستدلال عند أهل الكتاب والسنة.
ومن الأمثلة الواضحة على دقة المعالجة في الكتاب وما يعكس منهجه المختلف عن غيره.
مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام، حيث أطال الإمام الشافعي النفَس في تقرير وجوبها على المأموم، واحتجَّ بحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم ناقش أدلة المخالفين، وبيَّن وجه الجمع بين النصوص، دون تهوين من شأن الخلاف أو طعن في المخالف، بل بلغة علمية هادئة راقية.
ومن القضايا اللافتة كذلك مسألة نقض الوضوء بمس المرأة، حيث فرَّق الإمام الشافعي بين دلالة اللفظ القرآني ودلالة العرف واللغة، وأقام الحكم على ظاهر النص مع بيان علته، وهو ما يكشف عن عمق لغوي وأصولي في فهم النص الشرعي أهَّله لأن يكون أحد أمتع الكتب الفقهية في المكتبة الإسلامية القيمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك