تواجه ليبيا مرحلة تكريس الانقسام من خلال تعميق الخلافات عبر الرفع من نسق صراع الإرادات بين طرفي النزاع السياسي في طرابلس وبنغازي، وهو ما بات يشكّل دافعا قويا لعرقلة الحل السياسي واستبعاد أي جدوى عملية لمبادرات إعادة توحيد مؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفّي عمل على تأكيد القطيعة مع مجلس النواب عندما أعلن تكليف وزارة العدل بحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها بمباشرة تفعيل عمل الجريدة الرسمية، ونشر كافة التشريعات والمراسيم والقرارات الصادرة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وذلك تنفيذًا لأحكام القانون رقم 8 لسنة 2011، وامتثالًا لحكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بشأن تنظيم الجريدة الرسمية.
وشدد المرسوم الذي أصدره المجلس الرئاسي في الـ16 من فبراير، على احترام مبدأ الفصل بين السلطات، وصون استقلال القضاء، وضمان استمرارية أداء المؤسسات الدستورية وفق الأطر القانونية النافذة، بما يحول دون تضارب الاختصاصات أو المساس بالمسار الدستوري.
وأشار المجلس إلى أن إصدار المرسوم يأتي كذلك على خلفية ما اعتبره تجاوزًا من مجلس النواب لصلاحياته الانتقالية ومخالفةً للمبادئ الدستورية، وذلك في ما يتعلق بتنظيم الجريدة الرسمية بشكل منفرد دون التشاور مع المجلس الأعلى للدولة، بالمخالفة لما ينص عليه الاتفاق السياسي بشأن التشاور في إصدار التشريعات ذات الطبيعة الدستورية.
وأكد المجلس الرئاسي أن المرسوم يهدف إلى إعادة ضبط مسار نشر التشريعات، وإلغاء الآثار القانونية المترتبة على تطبيق القانون رقم 10 لسنة 2022، الذي قضت المحكمة العليا بعدم دستوريته، بما يعزز وحدة الإطار القانوني ويصون مبدأ الشرعية الدستورية.
وكانت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا أصدرت في نوفمبر الماضي حكمها في الطعن رقم 19 في القانون رقم 71، وقضت فيه بقبول الطعن شكلا، وبعدم دستورية القانون رقم 10 لسنة 2022 المتعلق بتعديل القانون رقم 8 لسنة 2011 بشأن تنظيم الجريدة الرسمية، مع الأمر بنشر الحكم في الجريدة الرسمية.
وجاء حكم المحكمة بعد سلسلة من الإجراءات والجلسات التي استعرضت من خلالها الدائرة مذكرات الخصوم، وملف الطعن، وتقارير الإعلان، والتبادل الإجرائي بين الأطراف، قبل حجز القضية للحكم.
ورحب المنفي بحكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بعدم دستورية القانون الصادر عن مجلس النواب الخاص بالجريدة الرسمية، معلنا عزمه على “تشكيل لجنة قانونية متخصصة لمراجعة جميع القوانين الصادرة عن مجلس النواب”، وثمن دور الدائرة الدستورية في “صون مبدأ المشروعية وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات بما يعزز دعائم دولة القانون والمؤسسات في ليبيا”، مشيرا إلى أن اللجنة المزمع تشكيلها ستتولى “تقييم القوانين مع أحكام الاتفاق السياسي ومتطلبات الشرعية الدستورية، بما يضمن وحدة المؤسسات واستقرار المسار القانوني للدولة الليبية”.
وقال المنفي إن أحكام المحكمة العليا ذات طبيعة كاشفة، وإن هذا الحكم “يوضح ما شاب القوانين المخالفة من عوار دستوري منذ تاريخ صدورها”، الأمر الذي يترتب عليه أن جميع القوانين التي نشرت خلافا لأحكامه “تعد غير مستوفاة للشكل والإجراءات القانونية الواجبة وتستوجب إعادة إصدارها وفق الأطر الدستورية السليمة، بعد توقيعها من رئيس الدولة ونشرها رسميا في الجريدة الرسمية الصادرة عن وزارة العدل”.
وبصدور هذا الحكم، تصبح أحكام القانون رقم 10 لسنة 2022 في حكم الملغاة لعدم دستوريتها، على أن تتولى الجهات المختصة تنفيذ ما ترتّب على ذلك من آثار قانونية.
وفي ديسمبر 2022 أصدر مجلس النواب القانون رقم 10 للعام 2022 الخاص بتعديل القانون رقم 8 للعام 2011 بشأن تنظيم الجريدة الرسمية، والذي نص على أن النشر في الجريدة يجري “بأمر من رئيس مجلس النواب أو من يكلفه من النواب”، كما تصبح ضمن الهيكل التنظيمي بديوان المجلس تحت مسمى “إدارة الجريدة الرسمية”.
وخلال تلك الجلسة، قال رئيس المجلس عقيلة صالح إن المجلس أقر من حيث المبدأ وبالإجماع نقل تبعية الجريدة الرسمية إليه، موضحا أن الجريدة مهمة جدًا لتعريف المواطنين بالقرارات والقوانين الحكومية والصادرة عن مجلس النواب وغيرها من الترقيات والتعيينات.
ودار النقاش خلال الجلسة حول مشروع إصدار الجريدة الرسمية وما ينشر فيها، واقترح العديد من النواب استحداث إدارة خاصة تتبع لها الجريدة الرسمية، فيما طلب آخرون توسيع نطاق ما تنشره الجريدة الرسمية ليشمل كل القرارات والقوانين الخاصة بالدولة الليبية.
وبحسب المرسوم الصادر عن المنفي، فإن وزارة العدل في طرابلس ستتولى إصدار الجريدة الرسمية في طبعة موازية باعتبار الطبعة الحالية تصدر عن مجلس النواب الذي يعد المؤسسة التشريعية المعترف بها دوليا والمكلفة بإصدار ونشر القوانين والتشريعات.
واعتبر عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني أن ما صدر عن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الأحد، من مراسيم دون انعقاد اجتماع رسمي، ودون توقيع جماعي يمثل تجاوزا صريحا للصلاحيات المقررة، وانفرادا بمباشرة الاختصاصات المشتركة بالمخالفة للآلية الملزمة.
وقال الكوني إن مرسوم المنفي بخصوص الجريدة الرسمية، لم ينعقد بشأنه اجتماع مستوف للإجراءات، ولم يُحرر بشأنه محضر معتمد وفق القواعد الإجرائية المقررة قانونا، مؤكدا أن ذلك يمثل إخلالا جوهريا بركن الاختصاص، ويجعله خاضعا لرقابة المشروعية القضائية، حسب قوله، وأضاف في بيان أنه جرت مخاطبات رسمية متكررة للتأكيد على ضرورة الالتزام بالآلية الجماعية، إلا أن استمرار إصدار قرارات بصورة منفردة أدى إلى تعطيل فعلي لمبدأ القيادة الجماعية، وخلق منازعة مؤسسية حول مشروعية القرارات الصادرة بهذه الكيفية، وفق قوله، لافتا إلى أن ما يجري اليوم ليس خلافا إجرائيا، بل انفراد بالاختصاصات المشتركة وتعطيل فعلي لعمل المجلس.
وحمل الكوني المسؤولية السياسية عن هذا المسار لكل من أصرّ على الانفراد بالاختصاصات المشتركة، حسب تعبيره، داعيا الجهات الرقابية والقضائية المختصة إلى ممارسة اختصاصاتها حماية للمشروعية وصونا للنظام المؤسسي خلال المرحلة الانتقالية.
وبحسب المراقبين، فإن المنفي أصبح منذ فترة يعمل من خارج إطار التوافق الثلاثي داخل المجلس مع نائبيه عبد الله الوافي وموسى الكوني، وأصبح ينسق مباشرة مع رئيس الحكومة المنتهية ولايتها عبد الحميد الدبيبة ورئيس مجلس الدولة الاستشاري محمد تكالة ضمن سياق التحالف القائم على مبدأ الاستمرار في الحكم إلى أجل غير مسمى.
ووصف عضو مجلس النواب علي التكبالي قرار المجلس الرئاسي حول إعادة إصدار الجريدة الرسمية في هذا الوقت بالتحديد بالمهزلة، معتبرا أن الهدف منه هو التنغيص على مجلس النواب، وقال إن المجلس الرئاسي التفت إلى الجريدة الرسمية وتجاهل معاناة المواطنين المعيشية والانسداد السياسي وآلاف المشكلات والأزمات، ملاحظا أن استمرار هذا النهج يقوض التوازن الذي قام عليه الاتفاق السياسي، ويدفع بالمؤسسة نحو حالة انقسام مؤسسي تمس استقرارها وشرعية قراراتها، ويضع سلامة تلك القرارات محل مساءلة قانونية وسياسية، وفق تقديره.
وفي يناير الماضي، أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا أحكاما بعدم الدستورية في أربعة قوانين أصدرها مجلس النواب، هي: القانون رقم 22 لسنة 2023، والقانون رقم 32 لسنة 2023، والقانون رقم 6 لسنة 2015 بشأن العفو العام، والقانون رقم 1 بشأن إلغاء القوانين الصادرة عن المؤتمر الوطني العام السابق عقب انتهاء ولايته.
وقبلت المحكمة الطعون المقدمة ضد تلك القوانين.
ونص الحكم على “عدم دستورية المادة الأولى من القانون رقم 14 لسنة 2013، والمادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 2015، والمادة الأولى من القانون رقم 22 لسنة 2023، والمادتين الأولى والرابعة – الفقرة الثانية من القانون رقم 32 لسنة 2023 المطعون فيها”، وأمرت بنشر الحكم في الجريدة الرسمية.
غير أن المحكمة الدستورية العليا أصدرت الأحد الماضي حكما بانعدام الحكم الصادر عن المحكمة العليا بشأن عدم دستورية أربعة قوانين أصدرها مجلس النواب، وذلك لعدم ولايتها بالفصل في الدعاوى الدستورية، وهو ما يطرح من جديد ملف التناقضات القانونية والنزاعات الدستورية التي لا تزال تتفاقم نتيجة الخلافات السياسية القائمة بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب، لاسيما مع ظهور مؤشرات على وجود محاولات جدية لتسييس القضاء وشخصنة الأحكام وتقسيم المؤسسة القضائية، على غرار المؤسستين العسكرية والتنفيذية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك