في رأيي لم يعد الطب حبيس غرف الكشف، ولا المعرفة الطبية أصبحت حكراً على الأطباء.
في زمن السوشيال ميديا، خرج المريض من عزلته، وخرج الطبيب من عيادته، ووقف الاثنان معاً تحت أضواء الكاميرات، حيث تختلط النوايا الحسنة بالرغبة في الانتشار، ويختلط التثقيف بالعرض، والعلاج بالمحتوى.
في ظاهره، يبدو المشهد إيجابياً.
منصات التواصل الاجتماعي أتاحت مساحة واسعة لنشر الوعي الصحي، وتصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة، وتقريب الطب من الناس بلغة بسيطة.
ولا يمكن إنكار أن عدداً من الأطباء قدموا محتوى مهنياً محترماً، واجهوا الخرافة، وساعدوا المرضى على اتخاذ قرار صحيح في التوقيت المناسب.
لكن المشكلة الحقيقية لا تبدأ من النوايا، بل من غياب الحدود.
فالطب ليس فيديو مدته دقيقة، ولا تشخيصاً يمنح عبر شاشة، ولا وصفة تقال دون فحص، ولا قراراً طبياً يتخذ تحت ضغط «المشاهدة».
الطب سياق متكامل: تاريخ مرضي، فحص إكلينيكي، تحاليل، احتمالات، ومخاطر.
وحين يختزل هذا السياق في محتوى سريع، تتحول الرسالة من التوعية إلى التضليل، أحياناً دون قصد.
الأخطر أن بعض المحتوى الطبي تجاوز التثقيف إلى الاستعراض، حيث تعرض الحالات بلا سياق علمي كاف، وتناقش الأعراض دون اعتبار كامل لخصوصية المرضي، ويتحول الإنسان المريض -في بعض الأحيان- إلى مادة جذب وتفاعل، لا إلى صاحب حق في السرية والكرامة.
وهنا يضيع الخط الفاصل بين التوعية الطبية والإفتاء الطبي، بين أن نقول للناس متى يجب اللجوء للطبيب، وبين أن يحل المحتوى محل الطبيب نفسه.
هذا الواقع يفرض سؤالاً لا يجوز تجاهله: لماذا يترك هذا المجال بلا تنظيم؟إن غياب إطار تشريعي واضح ينظم الممارسة الطبية عبر منصات التواصل الاجتماعي يفتح الباب لاجتهادات فردية قد تكون حسنة النية، لكنها خطيرة الأثر.
فنحن لا نتحدث عن محتوى ترفيهي، بل عن قرارات تمس صحة الناس، وقد تدفع مريضاً إلى تأخير العلاج، أو إلى اتخاذ قرار خاطئ بناءً على معلومات ناقصة أو غير ملائمة لحالته.
وهنا تأتي المسئولية المشتركة.
نقابة الأطباء مطالبة اليوم بدور أكثر فاعلية، ليس فقط في المحاسبة بعد وقوع الخطأ، بل في وضع ميثاق مهني واضح يحكم الظهور الطبي على المنصات الرقمية، ويحدد ما يجوز وما لا يجوز، حمايةً للطبيب قبل المريض.
كما أن البرلمان في رأيي مدعو لفتح نقاش جاد حول تشريع ينظم هذا المجال، تشريع لا يقيد حرية التعبير، لكنه يضع حدوداً فاصلة بين التوعية العامة والممارسة الطبية، ويقر مسئولية قانونية واضحة عند تجاوز هذه الحدود.
في زمن السوشيال ميديا، لم يعد السؤال هل يظهر الطبيب على المنصات؟ بل كيف يظهر؟ وتحت أي قواعد؟ وأمام أي مسئولية؟فالفارق كبير بين طبيب يشرح ليحمي الناس.
وطبيب يبحث عن تريند.
أو هكذا أعتقد.
!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك