(لا تلمس التاريخ.
لا تجرح كرامته العميقة.
ثم تأخذ الدفعة السادسة نصيبها في الكلية عامين كاملين من التدرب والتعليم في ساحتها وفصولها الدراسية مثل الدفعات التي سبقتها.
كان فيهما مشروعان خارج أسوار الكلية للتطبيق العملي في نهاية كل عام منهما على شاطئ طلميثة يستغرق شهرا كاملا.
هناك يلتقي البحر والجبل والتدريب المتواصل.
أصبح عدد الطلبة بالدفعة اثنين وعشرين طالبا.
وجدوا أمامهم الدفعة الخامسة التي ستغادر الكلية في أغسطس 1963.
كان رئيس عرفائها الطالب إبراهيم عبد العزيز صهد.
ومن مفارقات الزمن وتقاطعاته هنا أيضا سيكون من بين الدفعة ضباط سيشاركون لاحقا في تغيير سبتمبر 1969 منهم على سبيل المثال عبد الكريم عبدربه الحاج وعلي الفيتوري خليفة وآخر هو خليفة عبد الله الدرسي الذي سيكون ضمن قوة الجيش الليبي التي تمركزت عند الحدود الشرقية في البردي صيف 1967.
سيجتاز مع زملاء آخرين تلك الحدود ويدخلون مصر للمشاركة في (معركة الأمة والمصير).
ثم يعودون في سبتمبر 1969 وبعدها يظل خليفة في السجن حتى 1988 وأيضا زميله عبدالكريم الحاج في قضية (الحواز وموسى أحمد) وتفاصيل كثيرة ستلتقي عندها هذه التقاطعات وسيأتي ذكرها تباعا.
العام 1963 في بداياته سيقع في ليبيا إلغاء النظام الفيدرالي.
أعلن الملك إعلان الوحدة الإدارية في الدولة بعد إقرارها من المجالس التشريعية في كل ولاية من الولايات الثلاث ثم من مجلس الشيوخ ومجلس النواب.
وبهذا الإلغاء لم تعد هناك ولايات أو مجالس تشريعية وتنفيذية خلالها.
أضحت البلاد تنتظمها عشر محافظات في غربها وشرقها وجنوبها.
الجيش في الأصل كان موحدا ولم يتغير.
لم يكن يخضع لموضوعة (الفيدرالية).
طلبة الكلية العسكرية علموا بما جرى واستبشروا به.
حدث رهيب شهدته ليبيا أيامها.
زلزال المرج.
ساهم الجيش الليبي في عمليات الإنقاذ وكان آمر الحملة العقيد جبريل صالح الشلماني.
تتخرج الخامسة.
تستمر السادسة.
تقبل السابعة وهكذا على التوالي.
كان عددها كبيرا قياسا بالدفعتين السابقتين لها.
طلاب كالعادة مقبولون من كل أطراف ليبيا كان من بينهم الطالب معمر محمد عبد السلام القذافي القادم من مصراتة.
سيتابع في الكلية نشاطه السياسي غير الظاهر ولكن من وراء ستار.
سيشكل تنظيمه العسكري.
ستضم الدفعة المذكورة مجموعة من طلبتها سيشكلون النسبة الكبرى في مجلس قيادة الثورة لاحقا وفي قوة تنظيم الضباط الأحرار.
القذافي كما تروي الروايات الرسمية منه كون خليته المدنية الأولى في سبها عام 1959.
الرواية ظلت محصورة فيما عرف برحلة الأربعة آلاف ميل التي امتدت حتى سبتمبر 1969.
كان القذافي قد وصل إلى ضرورة التغيير بواسطة الالتحاق بالعسكرية وقلب النظام بالقوة التي تعجز عنها القوى المدنية.
تتداخل الحكايات وقصص التاريخ القريب في هذه الفترة لترسم قدرا لليبيا على مدى تلك الفترة وما بعدها.
القصص التي تتباعد وتلتقي.
وتطلع منها المفاجآت على الدوام.
في صفوف الكلية صار رقم الطالب الشلماني (198) ثم عندما أضحى ضابطا صار صاحب الرقم (460).
وخلال الدراسة والتدريب كان المعلمون من ضباط الصف.
عبد السلام مالك الغدامسي وسعد عبد الخالق ومحمد البريكي وغيرهم ومن الضباط جلال الدغيلي وأحمد فوزي هلال وإسماعيل الصديق ورمضان صلاح وعبد المطلوب عزوز وأحمد حواس ومن المعلمين الإنجليز كان الميجر كات وهناك أيضا معلم المخابرة الضابط الأميركي نيلسون.
وثمة طلبة بارزون في الدفعة السادسة يعبرون خاطر الشلماني باستمرار من ناحية النشاط والحيوية والثقافة والعلاقة مع الطلبة وهم.
عمران عطية الله وعبد الونيس محمود وعمر الواحدي.
عوامل ستثير الكوامن والأحاسيس الغامضة في نفس رفيق الدفعة معمر القذافي.
فواصل الزمن وتناقضاته في ساحة الكلية وأنحائها ثم في معسكرات الجيش بعد التخرج.
شيء مكتوم سيظهر ويلوح قاسيا وقاهرا مع الوقت اللاحق.
تتبدل الظروف والأحوال.
ولم يعد الوقت كما هو.
كما كان.
كما ظل واستمر.
وحين تخرجت السادسة تخلف الشلماني عن ذلك صيف 1964 مع أربعة من زملائه.
عبد المجيد العكاري وسليمان الكوشلي وعاشور الضادي ومنصور البشاري.
تخرج في الدفعة سبعة عشر طالبا واستمر الخمسة مع الدفعة السابعة ليتحقق التخرج مع كامل الدفعة في الصيف اللاحق 1965.
وحين كانت السابعة في الصف المستجد سيلفت الطالب معمر القذافي أنظار غيره من الطلبة بتصرفاته وسلوكياته.
عرف عنه عدم استجابته لأوامر الصف المتقدم عليه من الطلبة.
العقوبات اليومية كثيرا ما كانت تنتظره.
الشلماني هنا يلاحظه من بعيد وليس ثمة لقاءات تجمعهما سوى في طوابير الساحة أو دروس التدريب أو ساعات الأكل في المطعم.
لم يفت على الشلماني جدل القذافي المتواصل مع المعلمين الإنجليز الذين يتحدثون العربية بطلاقة بحكم خبرتهم في عدن تلك الأيام.
أحاديث طويلة تستغرق وقت الدرس.
أحيانا لحظات تقارب واختلاء بينهما.
ونقاش بعيدا عن الطلبة الآخرين.
في يناير 1964 تنفجر مظاهرات الطلبة في بنغازي.
يعلم الشلماني وغيره من الطلبة بها وما نتج عنها من قتلى وجرحى.
حزن يلف سواده المدينة.
ليالي المآتم تغمر شوارعها.
وغيظ في الصدور سيزيد من إقبال بعض أولئك الطلاب نحو الكلية العسكرية وكأنهم يريدون الأخذ بالثأر لشيء رفضوا أن يمر بسهولة.
منشورات تفعم الأسواق والجهات العامة.
يوزعها ناشطون وحركيون وتصل إلى مدن أخرى.
كان ثمة من ينشط وينفخ في النار لدى الطلبة ويحثهم على المزيد.
يعود الطلبة العسكريون إلى الكلية.
يقبل شهر رمضان وتمضي الحياة بتشابكات الزمن ودون توقف.
تستقيل حكومة د.
محيي الدين فكيني التي أكملت مشوار إنهاء نظام الولايات وأعلنته.
وتقبل حكومة أخرى برئاسة السياسي العريق محمود المنتصر.
والجيش في مكانه لا تهمه هذه الأمور ولا ينشغل بها.
الطالب القذافي لم يعرف عنه أي موقف في هذا الوضع.
الظروف العسكرية الصارمة أطبقت على نشاطه المستتر.
الشلماني في هذه الفترة نشأت له علاقة جيدة مع خليفة التكبالي.
كان يثير الانتباه بثقافته وسعة اطلاعه، إضافة إلى سخريته ومواجهته المستمرة مع القذافي.
كان التكبالي في أغلب أيام العطل والنزول إلى المدينة يبقى في الكلية أسير القراءة والاطلاع.
والتفاصيل تعبر التاريخ وتحيط به.
اجتاز معمر القذافي بعد تغيير سبتمبر طلاب الدفعتين إلى رتبة أعلى.
العقيد.
صارت صفة له أكثر من اسمه.
يشار إليه بها في غالب الأحيان.
لا عقيد سواه رغم وجود الكثير من العقداء في الجيش.
جعل نفسه عقيدا في اليوم الثامن للتغيير.
فات الرفاق في المجلس المنتظر الذي لم يعلن عنه في ذلك الوقت للناس وصار قائدا عاما للقوات المسلحة.
فواصل الزمن تمضي وتسير.
تقطع كل الحقول والمسافات.
الشلماني كان مع زملائه أضحى رئيسا في الجيش (أو نقيبا بالمفهوم الجمهوري الجديد) في أغسطس 1969.
كان القذافي ملازما أول.
تأخر لعقوبة نالته من محكمة عسكرية رأسها العقيد عبد الله الحمروش وتولى ادعاءها المقدم أحمد بن فايد.
القذافي اجتاز ثلاث رتب مرة واحدة.
رئيس ثم رائد ثم مقدم وبات عقيدا.
وقائدا ومفكرا وثائرا وملكا للملوك في أواخر زمنه الذي انقضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك