هم كثيرون أولئك الذين يرتادون مقهى جرجيس.
كثيرون وأسماؤهم كثيرة لا تتشابه ولا ترجع إلى لغة واحدة.
وهم اعتادوا انعدام التشابه، اعتيادهم العيش مع بعضهم بعضا واشتراكهم في طبيعة جغرافية واحدة يجري فيها نهر واحد غريب الاسم هو نهر الخنزير.
أسماء البلدات التي تحيط بعامودا بلدتهم، التي لم تكن آنذاك قد تحولت إلى مدينة، كثيرة هي أيضا.
وهي لا تتوقّف عن التكاثر مع كل فصل من الكتاب الذي يروي سيرتها في ذلك الزمن، الفاصل بين مجزرتين، واحدة انقضت والثانية على وشك الوقوع.
مرتادو مقهى جرجيس، ألِفوا بعضهم بعضا واعتادوا تناسي وقائع مرعبة عاشها الكثيرون منهم، أو ربما جميعهم.
في مطلع الرواية، هناك في المقهى وما حوله، كانت تبدو عامودا مسالمة مثل أرض اكتُشفت لتوها، بما يذكّر بماكندو، التي نزلتها عائلة بوينديا في رواية «مئة عام من العزلة».
لكن ساكني عامودا كانوا يخافون الإلفة القائمة بينهم، حيث كل منهم يحمل روايته المؤلمة عن ماضي علاقته بالآخرين.
هم أكراد وسريان وأرمن وأيزيديون وعرب، ينتظرون أن يحدث ما يعيد قلب عالمهم رأسا على عقب.
لم يكن ما عانوه من الأتراك قد نُسي بعد، كما لم يكن من الصعب أن يتذاكر أكثر الأصدقاء قربا كيف أنهم، وقفوا ضدّ بعضهم بعضا مشاركين الأتراك لكونهم يتبعون دينهم، فيما الآخرون يتبعون دينا آخر.
وها هي الرواية تفتتح عهد عداوة جديدا مع دخول الفرنسيين إلى ذلك المجتمع الصغير، لكن الزاخر بتنوع أقوامه، أي أن الجماعات التي اطمأنّت لوجودها معا لم تلبث أن استفاقت نعراتُها.
عاد المسلمون العرب إلى ما كانوه في زمن ما قبل الهناءة، وكذلك فعل السريان والأرمن، الذين رأوا في الأتراك مرتكبي مجازر ورأوا في الفرنسيين مفتتحي مدارس ومنشئي عمارات وفرص عمل.
ولن يعدم الجميع من هؤلاء وأولئك إيجاد الحجج للعداوة تتيحها التواريخ الغابرة والحروب السابقة والكراهية الجاهزة للانتشار من جديد.
فما سيبدأ كان قد بدأ من قبل، ولهذا يبدأ حدوثه من أوج تأزّمه.
هكذا يعرف المعرّضون للمجازر وحملات الإبادة كيف يتصرفون.
لقد خبروا ذلك من قبل.
السريان أولا، أولئك الذين لن يجدوا من ينصرهم أو يحالفهم، ومن كان صديقا لصديق منهم لن يلبث أن ينقضّ عليه مظهرا وجها آخر كان يُظن أنه ولّى إلى غير رجعة.
استعدادهم لقتل من هو أضعف وأقل بأسا وقوة، لا يحتاج إلى أسباب حتى يبلغ أشدّ مراحله تطرّفا، فهو متكوّن أصلا ومستنفر لا يلزمه إلا إطلاق شرارة الغضب.
فلا القاتلون ولا الضحايا يحتاجون إلى قراءة السياسة واستطلاعها ليعرفوا إن كان عليهم التهيئة للحرب، فالأسباب جاهزة وحاضرة في نفوسهم، وهي ليست في حاجة إلا إلى إمام أو قائد يطلق نفيرها.
مقهى جرجيس هو البطل – المكان في الرواية، أما البطل الفرد فهو الصبيّ عمر الذي نشأ في بيت أبوين مسلمين بعد مقتل أمه وأبيه.
هو صبيّ المقهى في الرواية، مقهى جرجيس.
يحبه الجميع لحسن هيئته ولطفه.
ربما لا يعلم عن سريانيّته، لكنه يشعر بأن هناك ما هو مختلف في تكوينه.
في فترة تلت من عمله في المقهى أوكل إليه الشيخ تأدية الأذان والعيش في حجرة المئذنة لا يغادرها.
لكنه وجد من تشاركه الإقامة، وهي حسناء مختلطة بين أن تكون أرضية وسماوية.
عند اندلاع الحرب قتلت طعنا بالسكين، وفرّ عمر من مهجعه متنقلا بين الأمكنة التي انتهت به إلى السويد، وهو البلد الذي يروي منه تاريخ بلاده وتاريخه الشخصي.
السويد كمكان للعيش والتذكّر يضيف الزمني والواقعي على ما سبق من الحروب التي تراوح سردها بين التخيّلي والحقيقي.
هي مرة هناك، في الغيب، ومرة هنا في مجريات الحياة البائسة.
دائما هناك مخلوقات نصف بشرية نصف ملائكية لا يُعرف إن كان ظهورها في شارع البلدة حقيقيا أو متخيّلا، مثل الصبيّتين اللتين لا تشاهدان إلا سائرتين تثيران التساول والحكي في الخفاء.
بين ما هو سحري وعادي تتنقل رواية نزار آغري الأخيرة، وهي تسير بخط سردي متّصل حيث لا أقسام ولا فصول.
غالبا ما يقاطع الكلام عن هذا الحدث ليقتحم السرد حادثة أخرى يبدأ سردها من منتصفها.
هي رواية ترك لمؤلّفها، أو لمتخيِّلها، حرية أن يكون حيث يشاء.
*رواية نزار أغري «مقهى جرجيس وعمرالسرياني» صدرت عن دار كتب خان في 240 صفحة- سنة 2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك