من منا لا تراوده ذكريات اليوم الأول من رمضان قبل حلول الشهر، زحمة البيوت، وتجمع العائلات الممتدة على سفرة طعام واحدة، يأتي إليها القريب والبعيد، يتبادلون التهنئة بقدوم الشهر، ويتشاركون الدعوات قبل دقائق من إعلان لحظة الإفطار.
اضافة اعلان.
ازدحام على أبواب البيوت، سيارات الأبناء تجتمع لقضاء يوم مميز يبقى محفورا بالذاكرة، تتناقل تفاصيله الأجيال، ليكون اليوم الأول من رمضان في كل عام، نقطة تجمع وانطلاق لتفاصيل الشهر الكريم، والاتفاق على كيفية قضاء ليالي الشهر، وترتيب مواعيد" العزومات" والتجمعات العائلية.
" أول يوم له فرحة لا يمكن إغفالها مهما كانت الظروف ومهما وصلنا من العمر"، هكذا تقول عبير محارمة، التي كتبت تقول إن اليوم الأول من رمضان منذ طفولتنا يعتبر بداية أفضل أيام نقضيها برفقة العائلة، وما زال هذا الشعور يراودنا رغم أننا كبرنا وعلينا ما علينا من المسؤوليات، ولكن" أحاول أن أعيش اللحظات الجميلة بكل تفاصيلها".
الاستشاري الأسري والاجتماعي مفيد سرحان، يتحدث عن فضل وأهمية اليوم الأول في شهر رمضان، لكون الأسر تستعد منذ أيام لاستقبال شهر رمضان المبارك، ويعيش تلك الأجواء الصغير والكبير، يتشوقون للإعلان عن بداية هذا الشهر، فهو شهر الخير والبركة والبر والتواصل، وهو شهر الأسرة بامتياز.
ويعد اليوم الأول ايضا فترة التهيئة الروحية والنفسية والمادية استعدادا لهذا الضيف العزيز، الذي يأتي محملا بالهدايا والهبات، وكثير من الأسر يصعب أن يلتقي جميع أفرادها على مائدة واحدة بسبب ظروف العمل والانشغالات، ربما باستثناء يوم الجمعة لكثير من الأسر، لذا، يأتي رمضان ليكون فرصة لهذه الأسر لكي تلتقي مرتين في اليوم على مائدة الإفطار والسحور.
ويشير سرحان إلى أن اليوم الأول من رمضان هو الانطلاقة لهذه" اللمة الأسرية" اليومية، والتي استعد لها جميع أفراد الأسرة قبل أيام من هذا الشهر الفضيل، ومنذ اليوم الأول يبدأ" شهر التغيير"، الكثير من العادات والسلوكيات ويزيد فيها الارتباط مع الله تعالى والإقدام على عمل الخير.
في حين يستعد مع عائلته للتوجه إلى بيت العائلة ايضا، يقول يحيى زهران، إن أكثر ما يدفعه للحماس في هذا اليوم هو" حماس الأبناء" على الاجتماع مع باقي أفراد الأسرة، يستعدون لها بكل لهفة ومحبة، ما يعني أن هذه العادة الاجتماعية لم تغب عن تفاصيل بيتنا مهما كانت الظروف، وهذا يجعله يستعد لبركة اليوم الأول" كالأطفال" على حد تعبيره.
وغالبا ما ترتبط مجريات اليوم الأول من رمضان بالذكريات، رغم أنه شهر كامل، حيث يبرر سرحان ذلك بأن الأسرة كبيرها وصغيرها تشعر بالفرح في هذا اليوم، فهو ليس كغيره من أيام السنة، هو لقاء واجتماع ليس كغيره من اللقاءات، فهو مبني على إحدى أهم أركان الإسلام، وهي صيام رمضان.
وتشاركها مع الآخرين يزيد من بهجتها، وبعض الأسر ترفع شعارها منذ اليوم الأول" صيامنا ارتقاء روحي ولقاء اجتماعي"، على حد تعبير سرحان، مشيراً إلى أن لقاء الأسرة يحفز أفرادها على التعاون.
ولكون فرحة اليوم الأول تبدو واضحة جدا على الأطفال، يعتقد سرحان أن هذا اليوم له خصوصية عند الأطفال الذين يؤدون الصوم لأول مرة في حياتهم، فهو ينتظر لحظة الإفطار بشوق وسط اهتمام جميع أفراد الأسرة بهذا الابن، والأطفال الذين لا يصومون أيضا يفرحون بقدومه وطقوسه، سواء من زينة واستعدادات ولمة أفراد الأسرة، وربما بعضهم وبتشجيع من الأهل صام لساعات كنوع من التدريب العملي والنفسي.
ورغم وجود" ظروف خاصة للعائلة تمنعها من مظاهر الفرح برمضان وعدم وضع الزينة في البيت"، إلا أن ذلك لم يمنع أسرة سهاد زيدان من أن تقرر الاجتماع في اليوم الأول من رمضان، وأن يكون هذا التجمع المبني على صلة الرحم والتواصل فيما بين أفراد العائلة" بمثابة أجر وثواب وترسيخ لعادة الوالد الذي لم يتوان يوما عن جمع أفراد عائلته في اليوم الأول من رمضان".
كبار السن يفرحون بلقاء الأبناء والأحفاد.
وتقول سهاد إن والدها انتقل إلى رحمة الله قبل أشهر قليلة، إلا أن والدتها أصرت على أن تستمر عادة التجمع في اليوم الأول من رمضان، وأن يعيش أبناء الأسرة الكبيرة والأحفاد تلك المشاعر والمحافظة على الروابط الأسرية، والتي ترتبط بباقي أيام رمضان، إلا أن اليوم الأول له" شعور مختلف".
وهنا، يؤكد سرحان أن كبار السن يفرحون بلقاء الأبناء والأحفاد ويمتنون لذلك، ويستذكرون ما مضى من سنوات وهم في وسط العائلة ويتبادلون معهم الذكريات، كما أن ربة المنزل تشعر بمشاعر مختلفة عن الآخرين فهي فرحة باجتماع أفراد الأسرة، وترى سعادتها من سعادتهم، وثمار عطائها بادية في اليوم الأول من رمضان.
ومنذ اليوم الأول في رمضان يبدأ التغيير على الأسرة، ليس فقط في اللقاء واللمة بل أيضا في المشاركة في أعمال المنزل وإعداد وجبة الإفطار وتحضير المائدة، وإفطار اليوم الأول يكون محور النقاش قبل رمضان، وبعد الإفطار يذهب أفراد الأسرة لصلاة التراويح التي يشارك فيها الأطفال والنساء.
رمضان فرصة ثمينة لتقوية الروابط الأسرية.
ووفق سرحان، فإن رمضان فرصة ثمينة لتقوية الروابط الأسرية، وتعزيز اللحمة والترابط بين أفراد الأسرة؛ تتجلى فيه قيم التسامح، والمحبة، والعطف، والإيثار، مما يسهم بشكل كبير في بناء علاقات أسرية متينة قائمة على الاحترام والتعاون والتفاهم، فالصيام يهذب النفس، ولا بد من حرص الأسر على استثمار هذا الشهر الفضيل في تعزيز اللُّحمة الأسرية وتجاوز الخلافات.
كما يجب استثمار اجتماع الأسرة في اليوم الأول للحديث الهادف والحوار المفيد أثناء الإفطار، ومناقشة المواضيع التي تهم الأسرة، وتبادل الآراء حولها، وتجنب الحديث عن المواضيع المثيرة للجدل أو التي تسبب الخلافات، وأن يستمع أفراد الأسرة لآراء بعضهم البعض مما يسهم في تقوية الروابط الأسرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك