عمان- في صدفة بدت عادية، كشفت إحدى الفتيات عن تحوّل غير عادي في الحساسية الأخلاقية لدى المتلقّي العربي، كانت تتابع مسلسلًا إلى جانب صديقة لا تشاهده، فسألتها الأخيرة عن القصة، الشرح كان بسيطًا: زوج خان زوجته، وارتبط بعلاقة قديمة لم يُكتب لها الاكتمال بسبب" الظروف".
اضافة اعلان.
غير أن الرد لم يكن بسيطًا على الإطلاق، إذ جاء التعاطف مع الزوج الخائن وعشيقته بوصفهما ضحيتين لقيود المجتمع لا فاعلين في خرق أخلاقي واضح، عند هذه النقطة لم يعد المشهد مجرّد انطباع فردي، بل مؤشر على تحوّل أعمق في طريقة تلقّي الخيانة داخل الوعي المجتمعي، حيث لم تعد تُستقبل بوصفها فعلًا صادمًا يستدعي الإدانة، بل بوصفها حالة إنسانية مؤثرة ومعقّدة تثير لدى المتلقي شعور التعاطف ويميل إلى فهم دوافعها، وربما تبريرها في ذهنه.
ومن هنا يبدأ السؤال الجوهري: كيف انتقلت الخيانة في الدراما العربية من موقع الفعل المرفوض أخلاقيًا إلى موقع الحكاية التي تُروى بلغة التعاطف؟ وهل باتت الشاشة لا تكتفي بعرض الخيانة، بل تعيد هندسة صورتها في أذهان المتلقّي؟كيف يعيد التلفزيون هندسة القيم؟في قراءة نقدية لطبيعة المعالجة الدرامية المعاصرة خاصة بـ" الغد"، يرى الناقد الفني اللبناني محمد حجازي، أن عددًا كبيرًا من الأعمال التلفزيونية والسينمائية وصل إلى مرحلة بات يمكن توصيفها بتقديم" حب تلفزيوني" أو" حب سينمائي" منفصل عن الواقع الاجتماعي الحقيقي.
من وجهة نظره، لم يعد هناك بحث جدي في العلاقة بين ما يُطرح دراميًا وبين الحياة الاجتماعية والزوجية الفعلية، بل يجري التعامل مع القضايا العاطفية بوصفها" ثيمات" جاهزة تُستخدم لصناعة الجدل وجذب المشاهد وتحقيق الانتشار، حتى لو جاء ذلك على حساب المعايير القيمية أو المعالجة الأخلاقية للمشكلات المطروحة، في هذا السياق، تصبح القصة العاطفية وسيلة جذب أكثر منها محاولة فهم واقعية لتعقيدات العلاقات الإنسانية.
ويذهب حجازي إلى القول إن الخيانة لم تعد تُطرح بوصفها مشكلة تُعالَج ضمن إطار اجتماعي وأخلاقي واضح، بل تُقدَّم أحيانًا كفعل جرمي بلا معالجة حقيقية لجذوره النفسية والاجتماعية، أو تُمرَّر ضمن سياقات عاطفية تجعلها أقرب إلى حالة يمكن التعاطف معها.
برأيه، هذا النمط من الطرح يفتح الباب أمام نوع من التسويق غير المباشر لسلوك الخيانة، حيث يجد من يفكّر بها مسارات نفسية ممهّدة للتبرير الذاتي، بالنسبة له، العمل الفني بطبيعته عمل توجيهي يفترض أن يدلّ على الاتجاه الصحيح في التعاطي مع المشكلات الاجتماعية والإنسانية، لا أن يقدّم نماذج سلوكية تسيّل الحدود الأخلاقية أو تجعل الخطأ قابلًا للتطبيع.
واختتم حجازي بأن غياب الدور التوجيهي للكتاب والمخرجين يجعل معظم الأعمال غير مريحة للمشاهد، موضحاً" المسلسلات لا تقوم بواجبها بشكل صحيح، وبالتالي كل ما نراه على الشاشة لا يعكس الواقع ولا يقدم أي نموذج مفيد للتعاطي مع المشكلات العاطفية".
كما تدعم هذه القراءة نتائج بحث أكاديمي بعنوان" الآثار القيمية لتعريب الدراما التلفزيونية"، الذي وجد أن الدراما المعربة تحمل معها قيَمًا وسلوكيات اجتماعية وسلبية من بينها الخيانة الزوجية والإثارة والفضائح، وتساهم عبر التكرار والسرد العاطفي في تحويل ما كان يُعدّ غير مألوف اجتماعيًا إلى مألوف نفسيًا لدى الجمهور.
هذا يلتقي مع تحليلات النقاد والخبراء حول دور الدراما في إعادة تشكيل الحساسية الأخلاقية لدى المتلقّي، إذ لا يجري تمرير السلوك بوصفه صوابًا، بل يُعاد تقديمه ضمن إطار إنساني يجعل المتلقي يتعامل معه باعتباره مفهومًا أو متفهم الدوافع، وهو ما يخفّف تدريجيًا من حدّة الرفض الداخلي له.
تأثير الصور الدرامية على المشاهد العربي.
من زاوية علم الاجتماع الثقافي، تضع خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم، هذا التحوّل ضمن سياق أوسع يتعلق بدور الدراما في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، فهي ترى أن التكرار الإعلامي المكثف لتوظيف الخيانة الزوجية بوصفها موضوعًا دراميًا سواء قُدّمت كخيانة رومانسية أو مبررة نفسيًا أو باعتبارها نتيجة ظروف قاهرة أو بدافع الحب لا يمكن اعتباره خيارًا فنيًا محايدًا، بل هو ظاهرة ثقافية ذات أثر عميق في تشكيل تمثّلات المجتمع للسلوكيات الأخلاقية.
وأشارت إلى أن هذا التكرار لا يصنع قبولًا صريحًا للخيانة، لكنه يصنع تطبيعًا تدريجيًا لها داخل الوعي الجمعي، حيث تتحوّل من فعل مرفوض أخلاقيًا إلى حالة" مفهومة" نفسيًا في سياق التعقيد الإنساني.
وتوضح إبراهيم أن هذا التحوّل يعمل عبر ما يمكن تسميته" التعويد البصري"، حيث يفقد السلوك صدمته الأخلاقية بفعل التكرار المستمر في الصورة والسرد العاطفي، ما كان يثير النفور سابقًا يصبح مألوفًا، وما كان مرفوضًا اجتماعيًا يتحوّل إلى حالة يمكن تفهّم دوافعها.
فبالتالي هذه العملية لا تتم عبر إقناع مباشر، بل عبر التكرار الرمزي والارتباط الوجداني بالشخصيات الدرامية، حيث يتماهى المتلقي مع معاناة الخائن أو العشيقة أكثر مما يتماهى مع الطرف المتضرر من الخيانة، فتتحرّك مشاعره في اتجاه يخفّف من حدّة الحكم الأخلاقي، بحسب ابراهيم، قائلة" ما كان يثير النفور سابقاً يصبح مألوفاُ وما كان مرفوضاً اجتماعياً يصبح مفهوماً نفسياً".
كيف تجعلنا الدراما نتفهم ما كنا نرفضه؟وعلى المستوى النفسي الفردي، تشير ابراهيم إلى أن تقديم العلاقات المختلّة بوصفها رومانسية أو مبررة دراميًا يخلق تشوّهًا إدراكياً في مفهوم العلاقة الصحية، وخصوصًا لدى الفئات العمرية الشابة، يبدأ المتلقي بربط الحب بالتوتر وعدم الاستقرار، وبربط العمق العاطفي بالألم والخيانة والصراع، في حين تُقدَّم العلاقة الهادئة القائمة على الالتزام بوصفها أقل إثارة دراميًا وأقرب إلى الملل.
وأضافت أن هذا التصوير ينعكس على توقّعات غير واقعية من الزواج والعلاقات طويلة الأمد، حيث يصبح الاضطراب جزءًا من صورة الحب المتخيلة، وتتحوّل الحدود الأخلاقية من ثوابت إلى مساحات مرنة قابلة للتفاوض النفسي وفق الظروف والمشاعر.
اجتماعيًا، تخلص فاديا إلى أن هذه السرديات المتراكمة تقود إلى تفكيك المعايير الثابتة التي تنظّم العلاقة الزوجية والعائلية، واستبدالها بمعايير رمادية لا تقوم على منطق الصواب والخطأ بقدر ما تقوم على منطق السياق والتبرير، ومع أن مقاربة السياق قد تكون مفيدة في فهم بعض السلوكيات الإنسانية، إلا أن إسقاطها على البنى القيمية الأساسية يحمل مخاطر عميقة، إذ يتحوّل الالتزام إلى خيار قابل للتبديل، والوفاء إلى قيمة نسبية، والخيانة إلى سلوك يُفهم إنسانيًا حتى حين يبقى مرفوضًا نظريًا.
وترى أن في هذه المنطقة تحديدًا، لا تعود الدراما مجرد انعكاس للواقع أو مساحة للترفيه، بل تتحوّل إلى قوة رمزية تعيد تشكيل الخيال الاجتماعي حول الحب والزواج والعلاقات الإنسانية، وتؤثر تدريجيًا في البوصلة القيمية للأفراد والمجتمع دون وعي مباشر، عبر تراكم الصورة والعاطفة والسرد.
ومع كل هذه التحولات في تصوير فعل الخيانة على الشاشة، يبقى السؤال معلقًا هل سيجد المتابعون في رمضان 2026 أنفسهم أمام نفس النوع من القصص التي تُعيد" تطبيع الخيانة"، أم سيشهد المشاهد عودة إلى العلاقات المستقرة والقيمية، حيث يُقدَّر الالتزام والوفاء كما ينبغي؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك