أطول تجربة ديمقراطية في العراق كانت في العهد الملكي، حيث استمر النظام البرلماني أكثر من 30 عاماً، شهدت تشكيل 59 حكومة وحلّ البرلمانات مرة تلو أخرى على طريقة التقاليد البريطانية العريقة، ورغم الأزمات السياسية في تلك الحقبة، إلا أن البلاد لم تكن تواجه “انسدادات دستورية” مثل التي تعلق داخلها الحياة السياسية في العراق الجديد منذ العام 2003، فما الذي تغيّر؟ويمكن ملاحظة فارق جوهري بين التجربتين، فالحكومة في العهد الملكي كانت قادرة دستورياً على حل البرلمان دون موافقة النواب، كما أن البرلمان قادر على سحب الثقة من الحكومة دون موافقة رئيس الوزراء، وكان البلاط الملكي هو صاحب القول الفصل في هذا التوازن.
أما في تجربة البرلمان الحالي، فقد اختفى هذا التكافؤ، وصار حل البرلمان وإقالة الحكومة بيد النواب وحدهم، إذ ليس هنالك اليوم ملك في العراق يستخدم إرادة البلاط للفصل بين نزاعات السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبسبب الفراغات الدستورية الفادحة والعجز في السلوك الحزبي، برز اتجاه يطرح أفكاراً تبدو بمثابة حنين أو عودة لقراءة تاريخ الوزارات العراقية و”كيف كنا نفعلها في الماضي” بحثاً عن تقليد أو قاعدة جديدة تعالج الفراغ في جمهورية نظامها نيابي شديد التعدد.
ويوم الثلاثاء.
توالت الدعوات من فعاليات مجتمعية وسياسية وثقافية تلتمس مجلس القضاء الأعلى ورئيسه القاضي فائق زيدان “لإنقاذ البلاد من الخرق الدستوري الجسيم” الذي وقعت فيه منذ 17 يوماً، وتتسع دائرة المساندين لفكرة حل البرلمان، خاصةً مع دخول البلاد 100 يوم منذ إجراء الانتخابات، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة مريرة استغرقت فيها الحكومات أحياناً نحو عام من التعطيل والخروقات الدستورية وتجميد مصالح المواطنين.
لكن محطات التاريخ القريب الذي تعود إليه شبكة 964 اليوم.
قد يقول الكثير عن مدى تعقيد فكرة حل البرلمان، إلا إذا تمكن خبراء القانون من اجتراح قراءات جديدة لمنع انزلاق البلاد إلى السيناريو المعروف، أو ربما يفكر البعض بالبحث عن إرادة بديلة لما كان يُعرف بإرادة البلاط الملكي، تفرض التقليد الذي اعتادت عليه النظم البرلمانية العريقة العاملة تحت ظلال العروش.
وكان حزب البيت الوطني، وتيار الخط الوطني، وحركة المثقف، وتحالف خدمات، قد أصدروا بيانات بأوقات متباينة طالبوا خلالها بحل البرلمان وإجراء إنتخابات جديدة في ظروف أكثر عدالة وبعيداً عن المال والسلاح السياسي، وفي وقت لاحق أصدر حزب “بيث نهرين” المسيحي موقفاً مماثلاً، فيما تستعد المزيد من القوى لإطلاق دعوات مماثلة.
وفي 30 كانون الثاني الماضي، أكمل البرلمان 30 يوماً على عقد أولى جلساته، وهي الفترة التي حددها الدستور لانتخاب رئيس الجمهورية الذي يجب أن يكلف بدوره رئيساً للحكومة خلال 15 يوماً، وهو ما يعني أن البلاد الآن واقعة بالفعل ضمن الخرق الدستوري.
كان يمكن تشكيل الحكومة قبل شهر!
وحتى قبل أن تبدأ الانتخابات، أبدى القاضي زيدان انتباهاً واهتماماً بضرورة عدم خرق التوقيتات الدستورية هذه المرة كما حصل في تجارب سابقة، وكتب القاضي زيدان في 8 تشرين الثاني الماضي مقالاً مفصلاً بعنوان “التوقيتات الدستورية لتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية في العراق” أكد فيه أنه بالإمكان تشكيل الحكومة في شهر كانون الثاني 2026 كحد أقرب إذا التزم البرلمان بإنجاز المهمة في أول يوم من كل مرحلة، أو آذار كحد أبعد إذا تأخر إنجاز كل مرحلة إلى اليوم الأخير من المهلة الدستورية.
وفي الليلة ذاتها ومع بدء الصمت الانتخابي، أطل القاضي زيدان من جديد عبر شاشة قناة العربية، وأكد أن الانتخابات ستكون مختلفة هذه المرة بوجود المفوضية التي تشكلت بالكامل من القضاة لأول مرة، وقال إن يوم 11 آذار من العام 2026 هو آخر يوم في المهلة الدستورية لتشكيل الحكومة.
وقبل ذلك وخلال الأزمة التي تلت انتخابات 2021 وما رافقها من تداعيات صعبة وخطيرة، نشر القاضي زيدان مطلع نيسان عام 2022، مقالاً شهيراً بعنوان “جزاء مخالفة القاعدة الدستورية” ناقش فيه بوضوح وصراحة الفراغ الدستوري، فالدستور يحدد مدة 30 يوماً لانتخاب رئيس الجمهورية لكن الدستور لا يفصح عن الأثر أو الجزاء على تجاوز تلك المدة، كما أن المادة 64 المتعلقة بطريقة حل البرلمان تشترط موافقة أغلبية النواب وهو ما يصعب تحقيقه، ولذا اقترح القاضي حينها صيغة لحل البرلمان يتم فيها تعديل المادة (64/أولاً) وإلغاء شرط موافقة أغلبية البرلمان على قرار الحل، لتصبح المادة على النحو التالي:
(يكون حل مجلس النواب بقرار من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية على أن لا يكون أثناء مدة استجواب رئيس الوزراء).
وبذلك -وفقاً للقاضي زيدان- يتحقق التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فكما يمكن للبرلمان سحب الثقة من الحكومة (دون موافقتها) إذا ارتكبت مخالفات معينة، يكون بإمكان السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية والوزراء) حلّ البرلمان (دون موافقة النواب) إذا خالف قاعدة دستورية مثل خرق التوقيتات الدستورية.
ويقترح القاضي أيضاً أن يكون قرار حل مجلس النواب قابلاً للطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا لضمان عدم تعسف السلطة التنفيذية في إيقاع الجزاء بحل مجلس النواب.
وفي مقال لاحق (10 أيلول 2022) وبعد أحداث المنطقة الخضراء الدامية، نشر القاضي زيدان مقاله الذي حمل عنوان “القضاء بين مطرقة الواقع وسندان النصوص” ويعود فيه للتذكير بأن المشكلة تشريعية بالأصل، ويشير إلى ضرورة تعديل الدستور وإضافة جزاءات أو ملء الفراغات التي لن يمكن للقضاء الاجتهاد لملئها لأنه مقيد بالنصوص.
المحكمة الاتحادية و”فترة وجيزة”.
في 1 آذار 2022، أي بعد نحو 4 أشهر من انتخابات العام 2021، حكمت المحكمة الاتحادية العليا في الدعوى 23، وأجازت فتح الترشيح لرئاسة الجمهورية لمرة واحدة فقط بعد المرة الأولى، على أن يتم انتخاب الرئيس ضمن “فترة وجيزة” وفق منطوق الحكم، وكشفت تلك العبارة من جديد عن الفراغ الدستوري الصعب الذي يعاني القضاة في التعامل معه، إذ لا يملك القاضي أداة قانونية تتيح له تعريف الفترة الوجيزة أو تحديدها، ولذا فإن لغة أحكام المحكمة الاتحادية تأخذ في بعض الأجزاء طابعاً يهيب بالبرلمان تحمّل المسؤولية الأخلاقية وإن لم يكن ثمة جزاء دستوري للخروقات.
“حل البرلمان هو جزاء مناسب للخرق”.
في 7 أيلول 2022، أي بعد أسبوع من أحداث الخضراء، صدر قرار المحكمة الاتحادية في الدعوى 132، ومازال ينال اهتمام المشرعين، وقد امتد على صفحات طويلة.
وأقرت الاتحادية بالفعل بأن حل البرلمان هو من الجزاءات التي تترتب على عدم قيام مجلس النواب بواجبه الدستوري، وأن يكون قرار الحل من الجهة صاحبة الاختصاص الدستوري في الحل وفقاً لما جاء في المادة 64 أولاً من الدستور.
وبعبارات واضحة يقول قرار الاتحادية “إن استقرار العملية السياسية في العراق يفرض على الجميع الالتزام بأحكام الدستور وعدم تجاوزه، ولا يجوز لأي سلطة الاستمرار في تجاوز المدد الدستورية إلى ما لا نهاية، لأن في ذلك مخالفة للدستور وهدماً للعملية السياسية بالكامل وتهديداً لأمن البلد والمواطنين”.
لكن الحكم يعود ليصطدم من جديد بالفراغ الدستوري حين يقول إن حل البرلمان لم يرد ضمن اختصاصات المحكمة الاتحادية “والاستجابة لطلب الحكم في حل البرلمان يشكل خرقاً واضحاً لمبدأ الفصل بين السلطات”.
هل يملأ القاضي فراغ “الإغفال التشريعي”.
وفي الدعوة ذاتها (132) يدفع أحد المدعين بأن “من اختصاص المحكمة الاتحادية وضع جزاء على مخالفة دستورية، أقر الدستور أنها مخالفة وأغفل وضع جزائها”.
ورغم أن أحكام المحكمة الاتحادية تستغرق في كثير من الأحيان في شرح أسباب الحكم وأسانيده القانونية، إلا أن الحكم في مسألة الإغفال التشريعي جاء مقتضباً، واكتفت المحكمة بعبارة واحدة وهي أن هذا “القول مردود”، ويتساءل قانونيون هذه الأيام عن إمكانية مراجعة تلك الفكرة وإعادتها إلى النقاش بين كبار القضاة.
رئيس جديد للاتحادية.
قراءة جديدة؟مع ذلك، ورغم الإقرار بصعوبة المهمة، يترقب كثير من الفاعلين أن يعثر خبراء القضاء العراقي على مخرج يمنع تكرار هذا المأزق القانوني كل انتخابات، ويتحدث كثيرون عن تنويه من موقع مجلس القضاء في حزيران 2022 بشأن مبدأ “العدول”، وإمكانية صدور قراءات أو قرارات جديدة خاصة مع الرئاسة الجديدة للمحكمة الاتحادية المتمثلة بالقاضي منذر الخزعلي الذي تولى المنصب في تموز من العام 2025.
لكن الخبير القانوني أحمد البدري يقول في تعليق مطوّل أن النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية في أيلول عام 2025 “قد جرّد المحكمة الاتحادية العليا من مكنة العدول القضائي المنصوص عليها في المادة (45) من النظام القديم رقم (1) لسنة 2022″، مع أنه يشير إلى أن “العدول القضائي مبدأ مستقر في الوسط القضائي ولا يحتاج اللجوء إليه إلى نص قانوني، وإنما يقع ضمن حدود السلطة التقديرية للمحكمة على أن تراعي ضمانات العدول”.
وبصرف النظر عن مدى قدرة القوانين الحالية على الاستجابة للمطالب “الثورية” أحياناً، لكن أفكاراً مثل حل البرلمان تكشف عن تصاعد مشاعر السأم من تكرار دخول البلاد في حالة “عدم يقين” تشبه “وضع طوارئ” بعد كل انتخابات، خاصةً مع عودة الحديث عن إمكانية تشريع “قانون أمن غذائي” جديد يعيد البلاد مرة أخرى إلى “حالة الاستثناء” والحلول المؤقتة والهدر في عمر الناس وتنمية البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك