الـ آيات عن الصبر في القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، إذ يحتلّ الصبر مكانة مركزية في القرآن الكريم، فلم يأتِ ذِكره عرضًا، بل تكرر في عشرات المواضع مقترنًا بالإيمان واليقين والجهاد والصلاة، بما يكشف عن كونه خُلقًا تأسيسيًا في بناء الشخصية المؤمنة، فالقرآن لا يقدّم الصبر بوصفه تحمّلًا سلبيًا للألم، بل باعتباره عبادة قلبية، وقوة داخلية، ومنهج حياة في مواجهة الابتلاءات.
وتوضح دار الإفتاء المصرية أن الصبر في المفهوم الشرعي يشمل ثلاثة أنواع: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة، مؤكدة أن النصوص القرآنية جاءت لترسيخ هذا المعنى، وربط الصبر بالإيمان الصادق واليقين بحكمة الله وعدله.
في مقدمة الآيات الدالة على عظيم أجر الصابرين، قوله تعالى: «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ» «الزمر: 10»، وهي آية تحمل وعدًا استثنائيًا، إذ لم يُقيَّد الأجر بعدد أو ميزان، بل جاء مفتوحًا بلا حساب، في دلالة على سعة الجزاء وعِظم المنزلة.
ويربط القرآن الكريم بين الصبر ومعية الله الخاصة، في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» «البقرة: 153».
وهذه المعية ليست عامة تشمل الخلق جميعًا، بل معية نصر وتأييد وتوفيق، وهي أعظم ما يرجوه المؤمن في أوقات الشدة.
وحين يتحدث القرآن عن الابتلاء، فإنه يقرره باعتباره سنة ماضية في حياة الناس، ثم يربط النجاة منه بالصبر، فيقول سبحانه: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» «البقرة: 155»، ثم يبين صفاتهم بقوله: «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، ويختم الثناء عليهم بقوله: «أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» «البقرة: 156–157».
فهنا يجمع الله للصابرين بين الصلاة منه وهي الثناء في الملأ الأعلى والرحمة والهداية، وهي أوسمة تكريم ربانية.
كما يؤكد القرآن أن الصبر طريق لمحبة الله، في قوله تعالى: «وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» «آل عمران: 146»، ومحبة الله منزلة لا ينالها إلا من تزكى قلبه وثبت في مواطن الشدة، وفي موضع آخر يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: «فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا» «المعارج: 5»، والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه للخلق، ولا جزع معه، بل ثبات ورضا وتسليم.
ولم يأتِ الصبر في القرآن منفصلًا عن العمل، بل قرنه الله بالحق في سورة قصيرة جامعة، فقال: «وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» «العصر: 1–3».
وكأن الرسالة واضحة: لا يثبت الإنسان على الحق إلا بالصبر، ولا ينجو من الخسارة إلا بالثبات.
وهكذا يظهر الصبر في القرآن باعتباره خُلقًا جامعًا؛ صبرًا على الطاعة، وصبرًا عن المعصية، وصبرًا على أقدار الله المؤلمة، وهو ليس مجرد احتمال للألم، بل قوة داخلية تُنتج الرضا، وثقة بالله، ويقينًا بأن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن العاقبة للمتقين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك