ويُذكر أن المنتدى العالمي للدراسات المستقبلية، الذي أتولى أمانته النوعية، كان قد عقد آنذاك جلسة حوارية ناقشت مخرجات تلك القمة انطلاقًا من دور مراكز الفكر في طرح الرؤى والأفكار؛ حيث أكد أهمية دورية انعقاد هذه القمة من ناحية، وأهمية البحث عن آليات فعّالة لتنفيذ التوصيات والمخرجات التي تم التوافق عليها من جهة أخرى.
وجاءت الدورة الثانية من القمة بعد عامين، بمشاركة ما يزيد على 39 دولة، وبحضور رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، لتقييم حجم التقدم المُحرز وتحديد أولويات الشراكة المستقبلية في ضوء التطورات المتسارعة التي تشهدها القارة الإفريقية، بما تعج به من أزمات عديدة تفاقمت أوضاعها بشكل غير مسبوق.
وقد ركزت القمة الثانية على عدد من المحاور المهمة، من بينها: الطاقة وأمنها، والبنية التحتية وضرورة تطويرها وتنميتها، والتعليم والصحة بوصفهما ركيزتين أساسيتين للنهوض بالمواطن الإفريقي، إلى جانب الاهتمام بالزراعة في إطار السعي نحو تحقيق الأمن الغذائي، باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه دول القارة، رغم ما تمتلكه من موارد عديدة ومتنوعة تُستغل من قِبل كبرى الشركات العالمية، دون أن ينعكس ذلك على حياة الأفارقة بالشكل المأمول.
ومن هذا المنطلق، جاءت الرؤية المصرية التي طرحها وزير الخارجية المصري أمام القمة، والتي تمحورت حول جملة من الركائز الأساسية، يمكن إجمالها فيما يأتي.
أولًا: أهمية ترسيخ إطار مؤسسي مستدام للعلاقة بين إفريقيا وإيطاليا، يقوم على الحوار المنتظم والتخطيط طويل الأمد، وأن تتجاوز الشراكة بينهما أنماط التعاون التقليدية إلى نموذج قائم على المصالح المتبادلة والمنفعة المشتركة.
ثانيًا: يتطلب تحقيق السلام المستدام في إفريقيا رؤية شاملة تعالج جذور النزاعات، من خلال الربط الوثيق بين السلم والأمن والتنمية، عبر الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، وتمكين الشباب والمرأة اقتصاديًا واجتماعيًا.
ثالثًا: البحث عن مقاربات جديدة لمعالجة الأسباب الجذرية لظاهرة الهجرة غير الشرعية، وفي مقدمتها الفقر والبطالة والنزاعات وتداعيات تغير المناخ، من خلال استثمارات طويلة الأمد في التنمية البشرية وتعزيز صمود المجتمعات المحلية.
ويُذكر في هذا الشأن أن المبادرة الإيطالية جاءت استجابة لهذه الرؤية، حينما أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في ختام القمة «إطلاق مبادرة واسعة النطاق لتحويل الديون إلى مشروعات تنموية مشتركة، من خلال تعليق سداد الديون للدول المتضررة من الظواهر المناخية المتطرفة».
رابعًا: التأكيد على استعداد مصر للعب دور فاعل في دعم مسارات هذه الشراكة، استنادًا إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي كجسر طبيعي بين إفريقيا وأوروبا، فضلًا عن عمق علاقاتها مع الشركاء الأوروبيين، واتساع خبراتها المتراكمة في مجالات البنية التحتية، والطاقة والربط القاري، والطاقة النظيفة، والتحول الأخضر، والأمن الغذائي، وتطوير القدرات البشرية، بما يسهم في تحقيق أهداف أجندة الاتحاد الإفريقي 2063.
وهكذا حملت القمة طموحات إفريقية واسعة، ووعودًا إيطالية مأمولة، وتأكيدًا على رؤية معمقة للدولة المصرية بشأن كيفية تحويل المبادرات المنبثقة عن القمتين الأولى والثانية للتعاون الإيطالي الإفريقي من التزامات سياسية إلى مشروعات تنفيذية وبرامج عملية ذات أثر ملموس في حياة شعوب القارة وأبنائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك