من الدولة الهشة إلى العطب المركّب: نحو إطار نظري جديد لفهم الأزمة السودانية.
على امتداد العقود الماضية، جرى توصيف السودان في الأدبيات السياسية بوصفه “دولة فاشلة” أو “دولة هشة”.
وقد بدت هذه الأوصاف، في ظاهرها، متسقة مع واقع الانقلابات المتكررة، الحروب الأهلية، ضعف المؤسسات، وتدهور الاقتصاد.
غير أن أحداث 15 أبريل 2023 تفرض علينا سؤالاً أعمق:
هل كانت الدولة السودانية هشة فحسب؟ أم أن في تصميمها ذاته ما يجعل الانفجار نتيجة متكررة؟هذا المقال يمثل مدخلاً أولياً لمشروع كتاب قيد التطوير، يقترح إطاراً تفسيرياً مختلفاً يمكن تسميته: نظرية العطب المركّب متعدد الطبقات.
الفكرة الجوهرية أن عدم الاستقرار في السودان ليس انحرافاً عن القاعدة، بقدر ماهو نتيجة مدمجة في البنية التاريخية والمؤسسية والمعرفية للدولة منذ لحظة تأسيسها.
تركّز مقاربات “الدولة الهشة” عادةً على مؤشرات مثل:
لكن هذه المقاربة، على أهميتها، تظل وصفية أكثر منها تفسيرية.
هي تشير إلى أن المحرك لا يعمل، لكنها لا تسأل: هل صُمم المحرك بطريقة تجعل تعطله متوقعاً؟من هنا تنشأ الحاجة إلى إطار أعمق، يفسر كيف تتفاعل البنى التاريخية والمعرفية والنخبوية لإنتاج عدم الاستقرار بصورة دورية.
الثلاثية المؤسسة للعطب ( مهدت لشرحها في البوست السابق).
يقوم الإطار المقترح على أن الأزمة السودانية تتشكل من تداخل ثلاث طبقات أساسية:
أولاً: العطب البنيوي–(بيتر وودوارد).
ورث السودان جهازاً استعمارياً صُمم أساساً للضبط والإدارة، لا لبناء مواطنة إدماجية.
تركّز القرار السياسي والاقتصادي في المركز، بينما أُديرت الأطراف بمنطق أمني–إداري.
نتيجة لذلك، أصبحت المؤسسة العسكرية الفاعل الأكثر تماسكاً في الدولة، في مقابل أحزاب مدنية تعاني من هشاشة تنظيمية وضعف القدرة الائتلافية.
في مثل هذا السياق، بدا الانقلاب العسكري – في كل مرة – كأداة “فنية” لإعادة الضبط، لا كقَطعٍ استثنائي لمسار طبيعي.
ثانياً: العطب المعرفي–التعريفي (عبدالله علي ابراهيم).
لا يتعلق الأمر بالمؤسسات وحدها، وانما بالعقل الذي يديرها.
فقد سادت، تاريخياً، رؤية ثنائية تنظر إلى المجتمع من خلال تقسيمات “حديث/تقليدي”، “متمدن/متخلف”، “مركز/هامش”.
هذه الرؤية أنتجت قطيعة وجدانية بين الدولة ومجتمعها.
لم تفشل الدولة في تقديم الخدمات فقط، لكنها فشلت في تعريف المواطن باعتباره شريكاً في السيادة.
حين يشعر قطاع واسع من المواطنين بأن الدولة لا تمثلهم ثقافياً ولا تعترف بتنوعهم، يتحول النزاع السياسي إلى نزاع حول الوجود والهوية، لا مجرد خلاف حول السلطة.
ثالثاً: العطب النخبوي ( منصور خالد).
تحولت السياسة في كثير من المراحل إلى ما يشبه “سوقاً للولاءات”، تُدار فيه التوازنات عبر توزيع الموارد والمناصب، لا عبر بناء عقد اجتماعي مستدام.
تظهر فيها اشكالات مثل:
_اقتصاظ الريع الذي يُستخدم لاحتواء الخصوم، لا لبناء مؤسسات.
وحين يجف الريع – كما حدث بعد فقدان عائدات النفط – تنكشف هشاشة السوق، ويتحول التنافس إلى صراع مسلح بين “مقاولي عنف”.
لماذا لم تنهَر الدولة قبل 2023؟إذا كانت الأعطال متجذرة، فلماذا لم تسقط الدولة باكراً؟يمكن تفسير ذلك بوجود ما يمكن تسميته “التوازنات الهشة”:
1.
توازنات ريعية: وفّر النفط (2000–2011) مورداً مكّن الدولة من شراء الولاءات واحتواء التوترات.
2.
توازنات أمنية: تعدد الفواعل المسلحة استُخدم أحياناً كآلية موازنة داخلية.
3.
توازنات دولية: وفرت الرعايات الإقليمية والدولية غطاءً مرحلياً للاستقرار.
ما حدث في 2023 هو انهيار هذه التوازنات دفعة واحدة، مما أدى إلى اصطدام الأعطال الكامنة ببعضها البعض.
الثورات السودانية – أكتوبر، أبريل، ديسمبر – لم تكن انفجارات غضب عشوائية، وإنما محاولات لإعادة تأسيس العقد السياسي.
العطب البنيوي ____ أعاد إنتاج هيمنة العسكر،
العطب المعرفي ________ عمّق الانقسامات داخل القوى الثورية،
العطب النخبوي _____________ تفاوض باسم الشارع دون بناء مؤسسات مستدامة.
وبالتالي لم تتحول الثورات إلى مسار تشريعي طويل النفس قادر على تثبيت التحول الديمقراطي.
من بين الانتقادات المهمة التي تواجه هذا الإطار:
هل تعاملت النخبة المدينية مع الريف بوصفه مشكلة يجب “تهذيبها”، لا مادة تأسيس يجب الإنصات إليها؟إن إعادة بناء الدولة تتطلب الاعتراف بأن الحواكير، الزعامات التقليدية، والاقتصاد الريفي ليست عوائق ينبغي إزالتها، وإنما حقائق اجتماعية يجب دمجها في عملية تأسيس جديدة.
كل تسوية فوقية، لا تمتد جذورها في التربة الاجتماعية الحقيقية، ستظل معرضة للانهيار.
وحدة القوى المدنية: ضرورة بنيوية.
بناءً على هذا التحليل، فإن الدعوة لوحدة القوى المدنية ليست شعاراً أخلاقياً، بقدر ماهي ضرورة بنيوية.
_ العطب البنيوي يعسكر المجال العام،
_ العطب النخبوي يختزله في صفقات،
فإن كتلة مدنية عريضة، عابرة للهويات الضيقة، تمثل المتغير الوسيط الوحيد القادر على كسر الحلقة الدائرية.
غير أن هذا الطرح يظل مفتوحاً للنقاش:
كيف يمكن لقوى تحمل داخلها آثار هذه الأعطال أن تتجاوزها؟هذا المقال لا يدّعي امتلاك إجابة نهائية، ولكنه يطرح إطاراً قيد التطوير.
وقد يتطلب التحليل إضافة طبقات اقتصادية وجيوسياسية أعمق.
وقد يحتاج مفهوم “التصميم” إلى تفكيك أشمل لمسؤولية ما بعد الاستعمار.
لكن المؤكد أن السودان يحتاج إلى نقاش يتجاوز توصيف الهشاشة، ليذهب إلى سؤال:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك