خلف كل" صينية" تخرج من الفرن المصري برائحتها التي تملأ البيوت دفئاً، لا تختبئ مجرد مقادير من الدقيق واللبن، بل تسكن فصول من تاريخ وحضارة.
المائدة المصرية ليست مجرد مكان لتناول الطعام، بل هي" سجل ثقافي" يروي كيف طوّع المصريون أسرار القمح قبل أن تعرفها أوروبا بقرون.
فمن" صينية المكرونة بالبشاميل" التي تخفي وراء دلالها الفرنسي جذوراً ضاربة في وادي النيل، إلى" الرقاق" الذي يحمل بين طبقاته الرقيقة أسرار الخبز الفرعوني المقدس، وصولاً إلى" أم علي" التي حوّلت صراعات القصور المملوكية إلى حلوى تذوب في الأفواه؛ نأخذكم في رحلة عبر الزمن، لنكتشف كيف أصبحت هذه الأطباق الثلاثة أيقونات للولائم المصرية.
المكرونة بالشاميل الحائرة بين الحضارات.
لا تعتبر" صينية المكرونة بالبشاميل" مجرد طبق عابر يزين المائدة المصرية في الولائم والاحتفالات، بل هي أيقونة اجتماعية وشاهد على تحولات ثقافية عميقة.
وبينما ينسب العالم الفضل في الصلصة البيضاء لفرنسا، تبرز رؤية تاريخية قوية تؤكد أن أصل الحكاية بدأ من وادي النيل، حيث عرف المصريون أسرار القمح والدقيق قبل أن تدركها أوروبا بقرون.
list 1 of 2نجوم" ثلاثية المطبخ السعودي".
قصة الكبسة والجريش والحنيني.
list 2 of 2حلويات بلا سكر.
بدائل طبيعية تمنح المخبوزات حلاوة صحية.
صراع الأصول.
هل" البشاميل" مصري الجذور؟تُقدم هذه الرؤية طرحا مغايرا للتاريخ التقليدي لفنون الطهي، حيث يرى العديد من المؤرخين وخبراء الأنثروبولوجيا الغذائية أن نسب" البشاميل" حصرا للمطبخ الأوروبي يعد" تأريخا منقوصا" يغفل الجذور الشرقية لهذه التقنية، خاصة أن كتابة التاريخ كثيرا ما تأثرت بموازين القوة والهيمنة.
يستند هذا الرأي إلى حقيقة تاريخية ثابتة، وهي أن مصر كانت تمثل" سلة غلال العالم" والقلب النابض لإنتاج القمح للإمبراطورية الرومانية؛ فبينما كانت المجتمعات الأوروبية لا تزال تعتمد بشكل أساسي على الصيد، كان المصري القديم قد قطع أشواطا واسعة في ترويض الأرض وإتقان فنون الطحن وصناعة الدقيق بمهارة فائقة.
الحجة التقنية من خلال ما يُعرف بـ" العصيدة" أو الخلطة الأولية التي تقوم عليها صلصة البشاميل، والمتمثلة في الجمع بين الدقيق والمادة الدهنية والسائل.
وتشير الأبحاث الأثرية، ومن بينها دراسات جيوفري ساندفورد، إلى أن المصريين القدماء استخدموا بالفعل خلطات تعتمد على الدقيق مع اللبن أو السمن في أطعمتهم اليومية والطقسية، وهي القواعد نفسها التي يقوم عليها ما يُعرف اليوم بـ" الرو" (Roux) أو الصلصة البيضاء.
ويعزز ذلك فرضية أن الجذور التقنية لهذا الأسلوب في الطهي تعود إلى ضفاف النيل قبل زمن طويل من توثيقها في كتب الطهي الأوروبية.
وفي سياق" السيادة المعرفية"، يميل المنطق التاريخي إلى أن الشعوب التي استأنست القمح وطورته هي الأحق بابتكار طرق طهيه وتنويع استخداماته.
ومن هنا، يُرجح أن هذه التقنيات المطبخية انتقلت من الشرق إلى القارة الأوروبية عبر مسارات التبادل التجاري والفتوحات، لتتبناها الثقافة الأوروبية لاحقا وتمنحها صبغتها الحالية، مما يجعل البشاميل في جوهره ابتكارا مصريا نُقح في الغرب.
الرواية الأوروبية.
" لويس" واللمسة الإيطالية.
في المقابل، يوثق مرجع" رفيق أكسفورد للطعام" (The Oxford Companion to Food) لمؤلفه آلان ديفيدسون، الجانب الأوروبي من القصة، حيث ينص على: " سُميت البشاميل نسبة إلى لويس دي بشاميل (1630-1703)، وهو مسؤول في قصر لويس الرابع عشر.
لكن من المرجح أن طهاة القصر هم من ابتكروها تكريما له، وتطورت من صلصة إيطالية أقدم تسمى" بلساميلا" (Balsamella) جلبها طهاة كاترين دي ميديجي إلى فرنسا في القرن السادس عشر".
المحطة اليونانية و" التمصير" الحديث.
دخلت المكرونة بالبشاميل بشكلها الحالي إلى مصر في بدايات القرن العشرين عبر الجالية اليونانية الكبيرة في الإسكندرية.
وتعود صياغة" الصينية" المتكاملة (مكرونة + لحم + بشاميل) للشيف اليوناني نيكولاس تسيلمنتيس، الذي دمج التقنية الفرنسية في طبق" الباستيتسيو" اليوناني.
ومع ذلك، قام المطبخ المصري بـ" تمصير" الطبق بالكامل من حيث:
النكهة: استبدل المصريون التوابل الأوروبية الهادئة بـ" العصاج" المصري القوي (البصل المكرمل، الفلفل الأسود، والبهارات الشرقية).
القوام: حوّلت الأم المصرية البشاميل إلى طبقة كثيفة وغنية" دسمة"، لتناسب ذائقة المجتمع الذي يقدس الوفرة والكرم، هنا تجدر الإشارة إلى أن صلصة الرو الفرنسية ذات قوام خفيف يختلف عن البشاميل المصري.
الانتشار: ساهم كتاب" أصول الطهي" (أبلة نظيرة) في تحويلها من" أكلة أجانب" في الفنادق إلى الطبق الرسمي للأعياد والمناسبات في كل بيت مصري.
أبلة نظيرة: من الفلسفة الأكاديمية إلى" صينية الفرن".
لم تكن نظيرة نيقولا، الشهيرة بـ" أبلة نظيرة"، طباخة تقدم وصفات، بل كانت معلمة بمثابة الجسر الذي عبرت عليه المكرونة بالبشاميل من مطابخ القصور والجاليات الأجنبية إلى قلب البيت المصري.
فمن خلال كتابها الأيقوني" أصول الطهي" الذي صدر في الأربعينيات، وضعت نظيرة اللبنة الأولى لتقنين وانتشار هذا الطبق.
وبسبب دراستها الأكاديمية في لندن، لم تستخدم مسمى" البشاميل" كعنوان منفصل في البداية، بل صنفته فنيا تحت مسمى" المكرونة بالفرن" أو" الصلصة البيضاء" (White Sauce)، مع وضع كلمة (البشاميل) بين قوسين كتعريف فرنسي للتقنية المستخدمة، شارحة إياها بأنها" الصلصة المربوطة بالدقيق والزبد".
المنهج التعليمي وصناعة" الصلصة البيضاء".
اتسم أسلوب أبلة نظيرة بالصرامة التعليمية والدقة العلمية؛ فكانت تشرح" البشاميل" باعتباره عملية كيميائية تتطلب الحذر، حيث تقول في نصوصها: " لعمل الصلصة البيضاء، يُقدح السمن أو الزبد ويضاف إليه الدقيق، ويُقلب بملعقة خشبية حتى يختفي طعم الدقيق دون أن يتغير لونه، ثم يضاف اللبن تدريجياً مع التقليب المستمر لضمان عدم حدوث تكتلات (خرازة)".
هذه التعليمات الدقيقة كانت السبب في توحيد" قوام البشاميل" في البيوت المصرية، حيث وضعت نسبا ثابتة (مثل ملعقتين دقيق لكل كوب لبن) أصبحت هي المعيار الذهبي لكل" ست بيت" مصرية منذ ذلك الحين.
وضعت أبلة نظيرة القواعد الذهبية التي ميزت النسخة المصرية عن أصولها الأوروبية واليونانية.
فقد كانت أول من رسخ ضرورة سلق المكرونة" نصف سلق" لتكمل نضجها في الفرن، وشرحت بعناية طريقة" تسييح" اللحم المفروم مع البصل والسمن فيما يعرف بـ" العصاج"، وهو المكون الذي منح الطبق هويته الشرقية.
كما كانت تنصح بخلط جزء من البشاميل مع المكرونة المسلوقة قبل رصها في الصينية، لضمان تماسك القطعة عند التقطيع، وهي الحيلة التي يفتخر بها الطهاة المصريون حتى اليوم كدليل على التمكن.
من العلامات الفارقة التي أرستها أبلة نظيرة هي طريقة الحصول على" الوجه الوردي" المحبب للمصريين.
فبينما كانت الوصفات الفرنسية تكتفي بالبشاميل، قدمت أبلة نظيرة لمسة إضافية بوضع طبقة من البيض المخفوق مع الفلفل الأسود أو القليل من الجبن الرومي المبشور على الوجه.
هذا الابتكار لم يكن للتزيين فقط، بل ليمنح الصينية ذلك المظهر الاحتفالي الذي جعلها" سيدة العزومات".
وبفضل هذا المنهج، تحولت المكرونة بالبشاميل من" رفاهية أجنبية" تُطلب في المطاعم الفاخرة بوسط المدينة، إلى" أصل منزلي" واختبار حقيقي لمهارة العروس المصرية قبل زواجها.
الرقاق المصري".
خبز رقيق يحمل ذاكرة آلاف السنين.
على صفيح محمّى، وبين حركة يد خبيرة تعرف مقدار العجين قبل أن تلمسه، يولد" الرقاق" كخبز لا يشبه غيره.
رقيق إلى حد الشفافية، سريع النضج، لكنه محمّل بتاريخ أثقل من سماكته.
لم يكن ظهوره وليد الحاجة اليومية وحدها، بل ثمرة علم وتدبير غذائي تشكّل عبر آلاف السنين، حين كان الخبز أكثر من مجرد طعام، وكان الدقيق معرفة تُدار بحذر.
تشير الدراسات التاريخية والأثرية إلى أن هذا الخبز الرقيق لم يظهر فجأة في المطبخ المصري الحديث، بل يمتد بجذوره إلى تقنيات المخبوزات في مصر القديمة.
يذكر المؤرخ بيير مونتيه في كتابه" الحياة اليومية في مصر في عصر الرعامسة" -الأسرة التاسعة عشرة في الدولة الحديثة بمصر القديمة- أن المصريين عرفوا أكثر من أربعين نوعا من الخبز والمخبوزات، من بينها أنواع شديدة الرقة كانت تُفرد بسمك ضئيل للغاية وتُخبز بسرعة على جدران الأفران الطينية الساخنة، وهو ما يعد، من الناحية التقنية، الجد المباشر لما يعرف اليوم بالرقاق، خاصة في صورته الجافة سريعة النضج وطويلة الصلاحية.
وتدعم النقوش الأثرية هذا الامتداد التاريخي، إذ تظهر في مقبرة نخت بالأقصر ومقابر الدولة القديمة أنواع من الخبز المستدير الرقيق الذي كان يُقدم ضمن القرابين للآلهة، وعُرف باسم" خبز الشنس" (Shens).
ويشير الباحث الأثري أحمد الحتة في دراسته" الخبز في مصر القديمة" إلى أن الشنس كان يُصنع من دقيق القمح الفاخر، ويُرقّ يدويا حتى يبلغ درجة عالية من الرقة، وهي التقنية نفسها التي لا تزال مستخدمة في رقّ العجين المصري حتى اليوم، سواء في البيوت أو المخابز التقليدية، خاصة في صناعة الرقاق.
ويؤكد هذا الربط أن الرقاق لم يكن مجرد ابتكار لاحق، بل تطورا وظيفيا لتقنية فرعونية أصيلة.
فقد كان المصريون، كما يوضح مونتيه، يفضلون الأرغفة الجافة القابلة للحفظ، لما تمنحه من قدرة على التخزين والسفر دون تلف، وهي الخاصية نفسها التي تفسر بقاء الرقاق الناشف عنصرا أساسيا في المائدة المصرية حتى العصر الحديث.
الرقاق من قصور النخبة إلى المائدة الشعبية.
ومع انتقال هذه التقنية عبر العصور، لم يبق الخبز المرقوق حبيس الاستخدام اليومي أو الطقوسي، بل دخل فضاء النخبة والقصور.
يذكر ابن سيار الوراق في" كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية" أن بعض الأطعمة المصنوعة من العجين المرقوق كانت تُعد خصيصا للملوك والخلفاء والسادة الرؤساء، لما تتطلبه من دقة في الصنع ومهارة لا يبلغها إلا خباز متمرس، فضلا عما تحققه من نفع صحي وتوازن غذائي.
في هذا السياق، لم يكن الرقاق ترفا شكليا، بل اختيارا واعيا يجمع بين الخفة والجودة.
وكانت عملية" الرق" نفسها فعلا علميا بقدر ما هي حرفة يدوية.
تشير دراسات" تطور المطبخ المغربي وتجهيزاته" إلى أن استخدام الآلات الخشبية، وعلى رأسها النشابة، لم يكن عشوائيا، بل هدفه ضمان توزيع متساوٍ للعجين والوصول إلى درجة من الشفافية تسمح للخبز بالنضج الكامل فور ملامسته للنار، دون أن يثقل المعدة أو يرهق الهضم.
هذا المبدأ التقني ظل حاضرا في صناعة الرقاق المصري، سواء على الصاج أو الصفائح المعدنية، محافظا على جوهره رغم تغير الأزمنة.
ومن هذا الفهم الغذائي المتكامل، يتشكل الجسر التاريخي بين الرقاق الجاف والطبق المصري المعروف اليوم بـ" صينية الرقاق".
يوضح المؤرخ مجدي جرجس في كتابه" رحلة المطبخ المصري" أن المصريين انتقلوا من تجفيف الخبز لزيادة مدة صلاحيته، وهي تقنية فرعونية بامتياز، إلى إعادة ترطيبه بالمرق واللحم في العصور اللاحقة، وهو ما يضع الرقاق باللحم في جوهره ضمن تقاليد" الثريد" الضاربة في القِدم، حيث يتحول الخبز من مادة جافة إلى وعاء غذائي متكامل.
وفي الجغرافيا الحديثة، ظل الرقاق محتفظا بمكانته على المائدة المصرية، لا سيما في المناسبات الكبرى.
وقد سجل علماء الحملة الفرنسية في" موسوعة وصف مصر" دهشتهم من مهارة الخبازين المصريين في القرى، وهم يرققون العجين باستخدام أدوات خشبية حتى يصبح" كالورق الشفاف"، مؤكدين أن هذه الحرفة متوارثة منذ آلاف السنين ولم تتغير تقنياتها الأساسية.
تُعتبر حلوى" أم علي" الوريث الشرعي لتقنية طهي عربية قديمة تُعرف بـ" الجُوذابة".
كانت هذه التقنية تعتمد تاريخياً على مبدأ" التشريب"، حيث يوضع الرقاق أو الخبز في أسفل القدر ليتقطر عليه دهن اللحم المعلق فوقه في التنور.
ومع مرور الزمن، حدث انفصال بنيوي؛ استقل الجزء السفلي (الرقاق المشرب) ليصبح طبقا مستقلا، واستُبدل مرق ودهن اللحم بالحليب والسكر والقشطة، مما حول الطبق من صنف" مالح-دسم" إلى صنف" حلو-قشدي".
يكشف كتاب" كنز الفوائد في تنويع الموائد" (القرن 14م) عن وجود أطباق كانت تُقدم لسلاطين المماليك تشبه في تكوينها" أم علي" الحديثة، وأبرزها طبق" الآسيوطية".
هذا الطبق كان يعتمد على" توريق" الرقاق مع المكسرات (الفستق واللوز) وغمره بالمادة الدهنية والسكر.
هذا الربط يؤكد أن المكونات الأساسية لأم علي كانت تمثل" قمة الترف" في العصر المملوكي، ولم تكن مجرد صدفة مطبخية، بل تطورا لطبق ملكي كان يُعرف بـ" الثريد الحلو".
من" الرقاق البلدي" إلى" الباف بيستري".
شهدت" أم علي" تحولا في بنيتها النشوية يعكس التغير في الذوق العام والتأثر بالمدرسة الفرنسية.
فبينما كانت النصوص التاريخية والوصفات التقليدية المصرية تتمسك بـ" الرقاق" (العجين الجاف غير المخمر) لقدرته العالية على الامتصاص، اتجهت المطابخ الحديثة لاستخدام" الكرواسون" أو عجينة" الباف بيستري".
هذا التغيير نقل الطبق من قوام كثيف ومشبع إلى قوام" هباء" (Airy) وأكثر دسامة زبدية، مما جعله يقترب من مفهوم" البودينغ" العالمي مع الحفاظ على هويته الشرقية.
رغم أن المخطوطات تثبت وجود الطبق بأسماء تقنية مثل" المنصوري" أو" الأسيوطية"، إلا أن ارتباطه باسم" أم علي" (زوجة السلطان أيبك) هو الذي منحه الخلود في الذاكرة الشعبية.
تشير الوقائع إلى أن توزيع هذا" الثريد الحلو" كان بمثابة إعلان سياسي عن انتصار" أم علي" على ضرتها" شجر الدر".
وهكذا، تحول الطبق من مجرد وصفة في كتاب طبخ إلى" وثيقة سياسية" تؤرخ لصراعات السلطة في القاهرة المملوكية عبر السكر والحليب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك