طرحت وزارة الثقافة اللبنانية، مؤخراً، وثيقةً من 60 صفحة تحت عنوان" استراتيجية الصناعات الثقافية والإبداعية في لبنان 2026-2031"، في خطّة وصفتها بأنها تهدف إلى تحويل الثقافة إلى قطاع مُنتِج يسهم في نهضة الاقتصاد.
لكن القراءة المتأنية للوثيقة تكشف فجوة واضحة بين الطموح والإمكانات المتاحة في ظل انهيار اقتصادي مستمر وغياب البنية التحتية الأساسية.
تتوقّف الاستراتيجية عند حجم الخسائر التي أصابت القطاع، حيث تشير الأرقام إلى أضرار في البنية التحتية الثقافية بقيمة تقدر بـ1.
1 مليار دولار منذ عام 2019، مع تضرر أكثر من 640 مبنى ثقافي، من بينها 166 مبنى تراثيا تعرضت لأضرار جسيمة جراء انفجار مرفأ بيروت عام 2020 والأزمات الاقتصادية والحرب الإسرائيلية الأخيرة.
كما كشف التقرير عن هجرة نحو 30 - 40% من المبدعين والمهنيين إلى الخارج، ما يشير إلى فقدان رأس المال البشري الضروري لإعادة إحياء هذا القطاع الحيوي.
وعود وطموحات كبيرة في ظل إمكانيات محدودة.
وبدلاً من تقديم دعم رسمي مباشر أو تعويضات واضحة لترميم ما تهدم، تعتمد الاستراتيجية على" صمود" الفنانين والمؤسسات مبرراً لبقاء القطاع على قيد الحياة، مع توجيه الحلول نحو الشراكات مع القطاع الخاص وتبرعات المغتربين.
من الناحية القانونية، تواجه الاستراتيجية عقبة كبرى، إذ تعترف الوزارة بأن القوانين الحالية لحماية حقوق الفنانين وتنظيم المهن الإبداعية" متقادمة" ولا تتناسب مع متطلبات العصر الرقمي.
من الصعب الحديث عن الابتكار التكنولوجي والإبداع الرقمي بينما المبدع اللبناني يفتقر إلى الحد الأدنى من الحقوق المهنية والضمان الاجتماعي، وهو ما يضع أي خطة مستقبلية أمام اختبار واقعي صارم.
أما خارج بيروت، فتعاني المناطق من إهمال مالي مزمن، مع اعتماد الحلول المقترحة على أنشطة مؤقتة مثل" ليلة المتاحف" التي تظل فعالية ترويجية أكثر منها إصلاحية.
المكتبات والمراكز الثقافية في هذه المناطق ما زالت تواجه تحديات كبيرة بسبب ضعف التمويل وعجز البلديات عن دعمها، ما يطرح تساؤلاً حول جدوى ما تسميه الاستراتيجية" العدالة الثقافية".
وعلى صعيد الطموح الدولي، تراهن الوزارة على القوة الناعمة وتسويق صورة لبنان في الخارج لجذب العملات الأجنبية.
لكن الجانب الآخر من هذه المراهنة التقليدية، أنها قد تؤدي إلى إهمال التجارب الفنية النقدية التي تشكل جوهر التجديد الثقافي والابتكار المحلي.
شكلياً، تتميز الاستراتيجية بلغة حديثة وتصنيف واضح لتسعة قطاعات فرعية، واستنادها إلى ورش عمل واستبيانات ومقارنات دولية يعطيها مظهراً تقنياً متطوراً.
لكن هذا الجهد التحليلي لا يجيب عن السؤال الأساسي: من سينفذ كل هذه الخطط في بلد يفتقر إلى الحد الأدنى من البنية التحتية، من الكهرباء إلى الحماية القانونية للمبدعين؟كما أن الطابع التشاركي للوثيقة الذي يُشير إلى إشراك مئات المهنيين في صياغتها، يظلّ محدوداً عند حدود الاستشارة، دون وجود آليات واضحة لفرض الإصلاحات القانونية أو توفير ميزانيات مستقلة.
كذلك، يثير الاعتماد الكبير على المغتربين والتمويل الدولي قلقاً بشأن نموذج ثقافي موجّه نحو الخارج على حساب الداخل، فيما يبقى المواطن اللبناني بلا وصول متكافئ للثقافة وقليلا ما يشعر بأنه معنيّ بها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك