مع إسدال الستار على أول اختبارات ما قبل الموسم في فورمولا 1 بدأت الفرق بشحذ سياراتها استعداداً لأول سباق في الموسم الجديد، الذي سيقام في أستراليا يومي 7 و8 مارس/آذار المقبل، لكن إلى جانب الجاهزية التقنية، تبرز قضية لا تقل أهمية وتفرض نفسها بقوة داخل أروقة الحلبات وهي الوقود المستدام.
وبحسب تقرير صحيفة سبورت الإسبانية، أمس الأربعاء، فاعتباراً من هذا الموسم، ستُجبر جميع السيارات على المنافسة باستخدام وقود مستدام بنسبة 100%، ليُطوى بذلك ملف خلطات" إي 10" السابقة.
وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة الفئة الأولى للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2030، بالاعتماد على ما يُعرف بـ" الوقود الاصطناعي" أو" إي فوليس"، وهو وقود يُنتج من ثاني أوكسيد الكربون المُلتقط ومواد أولية مستدامة، مثل النفايات والكتلة الحيوية غير الغذائية، مع وعود بأن يكون" جاهزاً للاستخدام" ومتوافقاً مع البنية الحالية للمحركات دون تغييرات جذرية.
وفي تحول تنظيمي لافت، قرر الاتحاد الدولي للسيارات التخلي عن قياس الاستهلاك وفق تدفق الكتلة، والانتقال إلى تحديد سقف الطاقة المسموح بها، والذي جرى تحديده بـ3000 ميغاجول في الساعة.
وفتح هذا القرار باب صراع خفي بين الفرق حول كثافة الطاقة في الوقود، إذ إن سيارتين يمكنهما استهلاك القدر نفسه من الطاقة، لكن الأفضلية ستكون لمن يحقق ذلك بوزن وقود أقل، ما يعني أداءً أعلى، ومن هنا بدأت" حرب الصيغ" الأكثر كفاءة والأعلى كلفة، كما يُتداول في كواليس المضمار.
فيراري تتقدّم… والوقود تحت المجهر.
خلال اختبارات البحرين، بدا واضحاً أن الوقود الجديد ما زال يثير الكثير من علامات الاستفهام، ففي المرائب، يتحدث المهندسون عن شكوك تتعلق بثبات الخلطات وآليات المصادقة.
ووفقاً للتقرير ذاته، فإن فيراري تستخدم بالفعل وقوداً حيوياً من إنتاج شركة شيل، حاز على موافقة الاتحاد الدولي للسيارات، في حين لا يتجاوز عدد الفرق التي حصلت على مصادقة رسمية حتى الآن فريقين فقط، بينما تواجه البقية صعوبات في نيل الاعتماد في الوقت المناسب.
وإذا تأكدت هذه المعطيات خلال الأيام المقبلة، فلن يكون الأمر تفصيلاً عابراً، فمع دخول عام 2026، سيصبح كل ميغاجول عاملاً حاسماً، وقد يتحول الوقود إلى عنصر تنافسي حقيقي، لا مجرد شعار بيئي.
وسيفرض التغيير الجديد على الفرق تحسين كثافة الطاقة، والاعتماد بشكل أكبر على التحكم الإلكتروني بوحدات الطاقة، ورغم حالة عدم اليقين، يتوقع الخبراء أن يكون الأداء قريباً من البنزين التقليدي، خصوصاً أن التجارب في الفئات الأدنى لم تُظهر تراجعاً ملحوظاً في الأداء.
سيعتمد الاتحاد الدولي للسيارات نظاماً دقيقاً لمصادقة الوقود، يراقب سلسلة التوريد، وتركيبة الخلطات، ومستويات الانبعاثات، ولن يُسمح إلا بالمكونات القادمة من نفايات غير غذائية أو مواد غير حيوية، في خطوة تهدف إلى ضمان المصداقية البيئية للتجربة، خصوصاً في سباقات فورمولا 1 القادمة.
شدد المهندس السابق في ريد بول، بابلو تيروبا، في تصريحات صحافية، على أن الوقود الجديد سيكون عاملاً حاسماً في الاعتمادية والأداء.
وأكد ضرورة تحليل كل قطرة وقود للحفاظ على الكفاءة، مشيراً إلى أن بعض المكونات، مثل الإيثانول، قد تؤثر بشكل مباشر في الأداء.
ويشبّه تيروبا تدهور الوقود بضعف البطارية، معتبراً أن دوره داخل المرآب بات أقرب إلى عمل الطبيب، مع تأكيده أنه لا توجد" وصفة سحرية"، فالنتيجة النهائية رهينة الانسجام بين المحرك والزيوت والوقود، وسيكون التحدي هنا تقنياً بامتياز، لكنه في الوقت ذاته فرصة استراتيجية كبيرة.
كيمياء الوقود الاصطناعي أكثر تفاعلاً من البنزين التقليدي، ما يجبر الفرق على إعادة التفكير في المواد والإضافات المستخدمة، ويضاعف الاستثمارات في البحث والتطوير.
والسؤال المطروح في المضامير وخارجها: هل يقدّم هذا الوقود الأداء نفسه؟ الإجابة الصادقة حتى الآن: لا أحد يملك اليقين الكامل، فالوقود التقليدي يتمتع بكثافة طاقة عالية جداً، ومحاكاتها منذ اليوم الأول ليست مهمة سهلة.
ومع ذلك، تشير التوقعات إلى مستوى قريب جداً من الأداء الحالي، مع ثقة فورمولا 1 بأن مزيج الوقود المستدام والتقنيات الهجينة سيحافظ على إثارة البطولة.
ولا تأتي الفئة الأولى إلى هذا التحدي دون تجارب مسبقة، إذ سبق لفورمولا 2 وفورمولا 3 أن استخدمتا وقوداً مستداماً متقدماً، دون تأثير سلبي يُذكر على الأداء، وهو ما يمنح قدراً من الطمأنينة.
أستون مارتن.
أخضر خارج الحلبة فقط.
بالتوازي مع هذا التحول" الأخضر"، سجّل فريق أستون مارتن بداية مخيبة في اختبارات ما قبل الموسم.
وعانت سيارة" أم أم أر 26" من قلة الاستمرارية، مع فترات تشغيل قصيرة وسلوك غير مستقر، نتيجة مشكلات في الاعتمادية وتوزيع الطاقة، ما حال دون الضغط الحقيقي على السيارة.
النتيجة كانت مزدوجة: من جهة، فشل الفريق في استكشاف الإعدادات المثلى للسيارة، ومن جهة أخرى خرج ببيانات أقل من منافسيه، وهو أمر بالغ الكلفة في ظل لوائح جديدة تتطلب دقة متناهية في كل تفصيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك