يواجه موسم القمح في منطقة الجزيرة شمال شرقي سورية خطر الفشل، بعد تزايد شكاوى المزارعين من ضعف أو انعدام إنبات البذار (البذور) التي وُزِّعَت هذا العام ضمن خطة الدعم الزراعي.
وتأتي هذه التطورات في منطقة تعد تاريخياً الخزان الاستراتيجي للقمح في البلاد، إذ تشير بيانات وزارة الزراعة والمكتب المركزي للإحصاء لعام 2010 إلى أن الجزيرة كانت تنتج نحو 60% من إجمالي القمح السوري، وتضم أكثر من 63% من الأراضي القابلة للزراعة على مستوى البلاد.
وبحسب إفادات ميدانية متطابقة جمعتها" العربي الجديد"، بدأت المشكلة تتكشف بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع على الزراعة، حين لاحظ المزارعون أن مساحات واسعة من حقولهم لم تُنبت، رغم تحسن معدلات الهطول المطري هذا الموسم مقارنة بالسنوات السابقة.
ومع ظهور بقع صفراء أو تربة مكشوفة مكان البذار، تصاعدت المخاوف من خسارة موسم كان يُعوَّل عليه لتعويض سنوات من التراجع.
تراجع الإنتاج وارتفاع الاستيراد.
تأتي الأزمة في سياق تراجع حاد في إنتاج القمح خلال سنوات الحرب.
فحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) لعام 2025، انخفض الإنتاج من نحو 4.
1 ملايين طن قبل عام 2011 إلى حوالى 1.
15 مليون طن في موسم 2025 – 2026، أي بانخفاض يقارب 71.
9%.
في المقابل، ارتفعت فاتورة استيراد القمح إلى نحو 3 ملايين طن سنوياً، بكلفة تراوح بين 1.
2 و1.
5 مليار دولار، ما يجعل أي تراجع إضافي في الإنتاج المحلي مسألة تمسّ الأمن الغذائي مباشرة.
وفي هذا السياق، بدأ مزارعو الجزيرة بزراعة موسم 2025 – 2026 وسط وعود من" الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا" بدعم المدخلات الزراعية وتخفيف الأعباء، ولا سيما مع ارتفاع تكاليف الحراثة والري والأسمدة.
وضمن خطة الدعم، وزعت" هيئة الزراعة" بذار القمح بسعر 350 دولاراً للطن، مقارنة بنحو 450 دولاراً للطن غير المدعوم في الأسواق.
غير أن هذا الفارق السعري، وفق شهادات المزارعين، لم ينعكس إيجاباً بسبب ضعف جودة البذار.
تشير المشاهدات الميدانية التي رصدتها" العربي الجديد" إلى أن نسب الإنبات لم تتجاوز 30% في أفضل الحقول حالاً، فيما انخفضت في مساحات واسعة إلى أقل من 10%، بل وصلت في بعض الحقول إلى حدود 3–7%.
ووفق المعايير الزراعية، فإن هذه النسب تعني فقدان الجدوى الاقتصادية للمحصول، إذ لن تغطي الكميات المتوقعة حتى تكاليف الحصاد.
المهندسة الزراعية حياة موسى قالت لـ" العربي الجديد" إن الضرر" وقع أولاً على المزارع، لكنه سيمتد حتماً إلى الاقتصاد المحلي برمّته".
وأوضحت أن ضعف الإنبات قد يرتبط بتجاوز المدة الزمنية المسموح بها لتخزين البذار، أو بسوء ظروف التخزين، كالتعرض للرطوبة والحرارة، إضافة إلى احتمال وجود إصابات حشرية تؤدي إلى تلف الجنين داخل الحبة.
ولفتت إلى احتمال وجود خلط بين الأصناف، ما يسبب عدم تجانس النمو واختلال البنية التأسيسية للمحصول.
وأضافت المهندسة الزراعية: " حتى لو تحسّن الطقس لاحقاً، فإن الأساس الذي بُني عليه المحصول ضعيف، والاستمرار في خدمته قد يعني خسارة أموال إضافية".
المزارع من ريف الحسكة، عبد القادر الملا، قال لـ" العربي الجديد" إنه زرع 150 دونماً من القمح أملاً في تعويض خسائر المواسم الماضية، " لكن نسبة الإنبات لم تتجاوز 7%".
وأضاف الملا: " تحمّلت تكاليف الحراثة والبذار والري، واليوم أنا مثقل بالديون.
لو كنت أعلم بعدم جودة البذار لما خاطرت بهذا الشكل.
الموسم كان رهاناً أخيراً بالنسبة إليّ وخسرته".
وفي ريف القامشلي، أوضح المزارع رامان عيسى لـ" العربي الجديد" أنه استعان بمهندس زراعي لفحص حقله بعد ملاحظة ضعف الإنبات، " فتبيّن من الفحص اليدوي أن جزءاً من البذار قديم وغير متجانس، وكأنه لم يخضع لعمليات تنقية وغربلة كافية".
وأضاف المزارع السوري أن هذا الأمر يفسر ضعف النمو حتى قبل تأثير الصقيع أو قلة الأمطار.
من جانبه، قال المزارع عبد الخالق برزنجي، من ريف القامشلي، إن الموسم بدا واعداً مع وفرة الأمطار، " لكن الصدمة كانت في البذار التي تسلمناها، إذ تبيّن أن معظمها غير صالح للزراعة".
أشار برزنجي إلى أن المزارعين تكبدوا تكاليف كبيرة لتجهيز الأراضي، وأن كثيرين اضطروا إلى الاستدانة لتأمين مستلزمات الموسم، مؤكداً أن المزارعين" ليسوا مسؤولين عن هذه الخسارة"، مطالباً بتعويضات عادلة.
وفي ريف القحطانية، قال حسين عبد الله لـ" العربي الجديد" إن نسبة الإنبات في أرضه لم تتجاوز 3%، رغم شرائه البذار بالسعر المدعوم.
وأضاف أن تأخر الأمطار دفعهم إلى تأجيل الزراعة إلى كانون الأول/ ديسمبر، " لكن ضعف الإنبات فاقم الأزمة، واضطر كثيرون إلى قلب أراضيهم مجدداً في وقت لم يعد مناسباً لإعادة الزراعة".
وأكد عبد الحكيم سعيد، من المنطقة ذاتها، أن مئات الهكتارات بقيت من دون إنبات، معتبراً أن تعويض بعض المزارعين ببذار بديلة" لا يكفي، لأن الخسارة تشمل تكاليف الحراثة والأسمدة والمحروقات، فضلاً عن ضياع موسم كامل".
تفاقمت الأزمة مع الخلل في توزيع المازوت الزراعي.
فبعد الإعلان عن توزيع 195 مليون لتر، اشتكى مزارعون من تأخر التسليم، ما دفعهم إلى شراء الوقود من السوق الحرة بسعر بلغ نحو 5600 ليرة سورية للتر، مقابل 1150 ليرة للسعر المدعوم (وفق الليرة القديمة) (الدولار = نحو 11,700 ليرة)، أي بفارق يقارب أربعة أضعاف.
وأدى ذلك إلى استنزاف السيولة النقدية في مرحلة الري الأولى الحساسة.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أعلنت الجهات المعنية عزمها على إرسال لجان ميدانية لتقييم الأضرار ودراسة إمكانية تقديم تعويضات مالية أو بذار بديلة.
غير أن مزارعين أكدوا لـ" العربي الجديد" أن التعويض بالبذار وحده لن يعوض ضياع موسم كامل، في ظل التكاليف المتراكمة والديون المستحقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك