قرّر عددٌ من النواب في البرلمان اللبناني سلوك طريق الطعن لمواجهة الزيادات الضريبية التي أقرتها الحكومة يوم الاثنين والإجراءات التي بدأت على صعيد رفع أسعار البنزين والتي أثارت ردات فعلٍ غاضبة في الأوساط الشعبية والاقتصادية والنقابية.
وأعلنت النائبة بولا يعقوبيان التوجّه لتقدم طعن جزئي أمام المجلس الدستوري في المادة 55 من الموازنة، التي منحت الحكومة حق التشريع في المجال الجمركي والتعرفات، أي عملياً النص الذي استُخدم لفتح الباب أمام قرارات رفع الرسوم والضرائب، ومنها الضريبة التي فرضت على البنزين والإجراءات الأخيرة المرتبطة بالمحروقات.
وأكدت يعقوبيان أن هذا الطعن ليس تفصيلاً تقنياً، بل معركة دستورية لحماية مبدأ الفصل بين السلطات ومنع تحويل الموازنة إلى أداة لتجاوز البرلمان وفرض أعباء مالية جديدة على الناس من دون رقابة تشريعية فعلية.
وقالت يعقوبيان لـ" العربي الجديد" إن" الطعن يحتاج على الأقل إلى توقيع عشرة نواب، وتمكّنا من تأمينها، وسأتقدّم به أمام المجلس الدستوري"، مشيرة إلى أن" هذا الطعن يهدف إلى منع الحكومة من التشريع بالحقل الجمركي وإعادة هذا الموضوع إلى البرلمان، ليصبح أي رسم أو زيادة أو ضريبة بيد الأخير فقط، ولا يعود للحكومة بالتالي إقرارها بشكل مباشر".
وأشارت يعقوبيان إلى أن" هذا الطريق الأسرع أمامنا الآن، خصوصاً أنّ المجلس النيابي مقفل حالياً، ولا نضمن متى يقرّر رئيسه نبيه بري فتحه"، لافتة إلى أن" أكثرية النواب الموقعين على الطعن هم من التغييريين".
وتعتبر النائبة اللبنانية أن رفع الضرائب ليس إصلاحاً، بل هروب إلى الأمام على حساب الناس، مشيرة إلى أنه بدلا من أن تلاحق الدولة مكامن الهدر وتفرض العدالة الضريبية على أصحاب النفوذ تختار الطريق الأسهل وهو جيب المواطنين، مشدّدة على أن سياسات كهذه لا تعالج العجز، بل تعمّق الانكماش وتدفع بالطبقة الوسطى نحو مزيدٍ من الانهيار.
وتؤكد يعقوبيان أن المطلوب ليس فقط رفض زيادة الأعباء، بل إطلاق مسارٍ جدّي لإصلاح القطاع العام عبر إعادة هيكلته، تحديث ادارته، تعزيز الإنتاجية، وضمان حقوق الموظفين بما يحفظ كرامتهم ويعيد فعالية المؤسسات، مشددة على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بوقف الامتيازات غير المشروعة واستعادة إيرادات الدولة من مكامن الهدر، لا بتحميل المواطنين كلفة الفشل المتراكم.
كذلك، أعلن التيار الوطني الحر (يرأسه النائب جبران باسيل) تبنّيه الطعن أمام مجلس شورى الدولة بقرار مجلس الوزراء فرض ضريبة على البنزين، والذي تقدّمت به نقابة أصحاب الأوتوبيسات والسيارات العمومية ومكاتب النقل عبر وكيلها المحامي فادي الحاج.
وأكد أنه" لن نترك وسيلة قانونية سعياً لتراجع حكومة العجز عن قرارها الاعتباطي الذي من شأنه زيادة التضخم والعبء على المواطنين، لا بل استفحال الازمة المالية والاقتصادية من دون إيجاد حل لمطالب القطاع العام والعسكريين المتقاعدين ومن دون تحقيق الرؤى الإصلاحية التي لا تمتلكها أصلاً هذه الحكومة".
وما زالت ردات الفعل الغاضبة حول المقررات الضريبية تتصاعد خصوصاً لما لها من تأثيرات كبرى على كلفتي المعيشة والإنتاج، بحيث قرّرت رابطة موظفي الإدارة العامة التوقف عن العمل والاضراب العام اليوم الخميس وغداً الجمعة في كل الإدارات العامة، مع إبقاء اجتماعاتها مفتوحة لمواكبة المستجدات.
ورفعت الرابطة سلسلة مطالب على الحكومة تأمين الواردات لها بعيداً من جيوب المواطنين، وتتمثل بمشاركة ممثلين عن الرابطة في لجنة إعداد سلسلة الرتب والرواتب وأي اجتماع يخصّ تحسين الرواتب، وإعطاء 10 رواتب فوراً، من دون انتظار إقرار قوانين مجحفة في مجلس النواب، وإعطاء كذلك صفائح بنزين أسوةً بغيرها من الأسلاك في الدولة، وحصر الدوام بأربعة أيام عمل من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الثانية بعد الظهر.
وفي بيان لها اليوم الخميس، قالت روابط القطاع العام عسكريين ومدنيين، إن" هذه الإضافة، رغم أهميتها تبقى بعيدة عن المطلب الأساسي الذي رفعه القطاع منذ بداية الأزمة، والمتمثل بإعادة الانتظام الكامل للرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية وفق معايير العدالة والمساواة، بما يحفظ كرامة الموظفين والعسكريين والمتقاعدين ويؤمّن لهم الحد الأدنى من العيش الكريم".
وأعلنت رفضاً قاطعاً لربط هذه الزيادة بفرض ضرائب ورسوم جديدة، ولا سيما رفع صفيحة البنزين بمقدار 300 ألف ليرة، وزيادة 1% على الضريبة على القيمة المضافة، معتبرة أن هذه الإجراءات تشكّل نهجاً عشوائياً في فرض الضرائب، يصيب استهلاك المواطن مباشرة، ويحمّل الموظفين وسائر الموظفين أعباءً إضافية في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة.
وقررت الروابط بعد اجتماع لها أمس الأربعاء إبقاء اجتماعاتها مفتوحة لمتابعة هذا الملف، والبقاء على جهوزية تامة لاتخاذ الخطوات المشروعة كافة، بما فيها التحرّك في الشارع ضمن الأطر القانونية، من أجل تحقيق المطالب المحقة وصون العيش المشترك.
على صعيدٍ ثانٍ، دعا رئيس نقابة العاملين والموزعين في قطاع الغاز في لبنان فريد زينون، أصحاب معامل تعبئة الغاز في لبنان، والبالغ عددها نحو 160 معملاً، " الالتزام التام بعدم تعبئة قوارير الغاز إلا للموزعين المعتمدين والمسجّلين رسمياً لدى النقابتين، وذلك حصراً بعد إبراز إفادة صالحة صادرة عن النقابة المختصة، والتي تُعطى مجاناً ولا يترتّب عليها أي بدل مادي".
وأشار في بيان الخميس، إلى أن" الهدف من هذا الإجراء هو ضبط السوق المحلي وتنظيم التوزيع ووقف السوق السوداء ومنع التعبئة غير القانونية، اضافة إلى الالتزام بالتسعيرة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، واعتماد سعر موحّد من قبل جميع الموزعين وعدم تعبئة أي صهريج أو شاحنة أو كميون غير قانوني أو غير مستوف الشروط الفنية والإدارية".
من جانبه، دعا رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر الحكومة إلى التراجع عن قراراتها، مشيراً إلى أن الاتحاد قام باتصالات مع أعلى المراجع من أجل إيجاد حلّ لهذا الواقع.
وقال الأسمر إن" ما حصل الاثنين مرفوض، ومن المفترض أن يكون هناك لجان متخصّصة تنظر إلى إيرادات غير الضرائب والرسوم المطلوبة، خصوصاً عندما نقرّر زيادات لقطاعات معينة تحق لها هذه الزيادات، لكن ندعو إلى زيادات مدروسة تدخل ضمن صلب الراتب للقطاع العام وللعسكريين، وهنا أشير إلى مشروع مجلس الخدمة المدنية ومقسط على خمس سنوات ويعيد قيمة الراتب إلى حدود 77% كما كان عام 2019 لم تأخذ به الحكومة ولم يكن يوماً على جدول الأعمال، لذلك يجب المباشرة بدرس هذا الموضوع".
في المقابل، أكدت مصادر في وزارة الاقتصاد لـ" العربي الجديد"، أنّ" الوزارة حريصة على تكثيف الإجراءات الرقابية على المحال والسوبرماركت لمواجهة أي محاولات للتلاعب بالأسعار أو استغلال الوضع لتسجيل أرباح على حساب المواطنين"، مشددة على أن" التواصل قائم مع جميع الجهات المعنية من أجل ضبط الأسعار بعد القرارات التي صدرت عن مجلس الوزراء الاثنين الماضي".
ولفتت المصادر إلى أن دوريات حماية المستهلك تقوم بجولات يومية على الأفران والسوبرماركت وتنظم محاضر ضبط بحق المخالفين، وستكثف دورياتها في شهر رمضان، لمنع أي تلاعب سواء بالأسعار أو بالأوزان.
ويقوم وزير الاقتصاد عامر البساط بسلسلة اتصالات ولقاءات مع المعنيين بملف الغذاء والسلع الأساسية، مؤكداً أن هذه الاجتماعات تنطلق من حساسية الموضوع المعيشي وتهدف إلى ضبط الأسعار وكبح جماح التضخم ومنع انعكاس القرارات الحكومية الأخيرة على السلع الأساسية للمواطنين.
وأكد البساط أن نقابات أصحاب السوبرماركت واتحاد نقابات الافران تعهدت بالالتزام بالأسعار السائدة حالياً، مشيراً إلى أن" سلسلة الاجتماعات تأتي تحضيراً لاجتماع عام يعقد في الأيام المقبلة للهدف نفسه، وبمشاركة أكبر من كل الهيئات الاقتصادية والنقابية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك