في عام 1945 لم تكن الهزيمة مجرد حدث عسكري بالنسبة إلى ألمانيا، بل كانت انهيارًا كاملًا لفكرة الدولة.
مدن مدمّرة، اقتصاد منهار، مجتمع ممزق بين شرق وغرب.
وفي الجهة الأخرى من العالم، كانت اليابان تخرج من الحرب مثقلة بعار الهزيمة وندوب قنبلتين نوويتين سقطتا على هيروشيما وناغازاكي، لتصبحا رمزًا للدمار المطلق في التاريخ الحديث.
كان يمكن للبلدين أن يختارا سردية الضحية.
كان يمكن أن يتحول الخطاب الرسمي إلى شكوى دائمة من ظلم العالم وتقلبات السياسة الدولية.
لكن ما حدث كان شيئًا آخر تمامًا.
اختارت ألمانيا أن تعيد بناء عقلها قبل أن تعيد بناء جدرانها.
لم يكن الاستثمار الأول في الحجر، بل في المدرسة، في المعهد التقني، في الجامعة المرتبطة بالمصنع.
نشأ نموذج التعليم المزدوج الذي يربط التكوين المهني بسوق العمل، فأصبحت الشهادة مهارة، وأصبح المصنع امتدادًا للجامعة.
أما اليابان، فقررت أن تجعل من الانضباط قيمة وطنية، ومن الجودة عقيدة يومية.
لم تُبنَ نهضتها على كثرة الموارد، بل على دقة الإنسان.
المدرسة هناك لم تكن مجرد فضاء للتلقين، بل مصنعًا للسلوك: احترام الوقت، العمل الجماعي، الإتقان.
وهكذا تحولت الهزيمة إلى نقطة انطلاق، لا إلى قدر دائم.
لم تكن المعجزة ألمانية ولا يابانية بقدر ما كانت تربوية.
التعليم لم يكن قطاعًا من قطاعات الدولة، بل مشروعها المركزي.
في المقابل، ما يزال جزء كبير من العالم العربي يراوح مكانه بين خطابين: خطاب المؤامرة، وخطاب التبرير.
صحيح أن المنطقة عرفت استعمارًا وصراعات وحروبًا بالوكالة، لكن هل يكفي ذلك لتفسير عقود من التراجع التعليمي؟ هل يمكن أن تُعزى هشاشة المدرسة، وضعف البحث العلمي، وانفصال الجامعة عن الاقتصاد، فقط إلى “استهداف خارجي”؟المشكلة الأعمق ليست في الاعتراف بوجود تحديات دولية، بل في تحويلها إلى شماعة دائمة.
فالمؤامرة قد تفسر عثرة، لكنها لا تبرر جمود نصف قرن.
في كثير من أنظمتنا التعليمية ما زال الطالب يُكافأ على الحفظ لا على التفكير، وعلى الطاعة لا على السؤال.
الجامعة تُنتج شهادات أكثر مما تُنتج معرفة، والبحث العلمي يُنظر إليه بوصفه رفاهًا لا ضرورة.
والنتيجة أن الاقتصاد يظل تابعًا، لأن العقل لم يُدرَّب على الابتكار.
الفرق بين من نهض ومن تعثر ليس في حجم الألم، بل في طريقة التعامل معه.
ألمانيا واليابان لم تنتظرا اعتذارًا تاريخيًا ليبدآ من جديد، ولم تشترطا عدالة العالم لتُصلحا مدرستهما.
فهمتا أن السيادة الحقيقية تبدأ من الفصل الدراسي، وأن الاستقلال ليس شعارًا سياسيًا، بل قدرة علمية وصناعية.
التاريخ لا يكافئ من يرفع صوته، بل من يرفع مستوى تعليمه.
والعالم لا يحترم من يكثر الشكوى، بل من يُتقن العمل.
ربما آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: “من يتآمر علينا؟ونبدأ بسؤال أكثر إلحاحًا: “ماذا فعلنا نحن بمدارسنا وجامعاتنا؟فحين ينتصر التعليم على الرماد، تتحول الهزيمة إلى بداية.
وحين يُهمَل، حتى الأمم التي لم تُقصف، تعيش زمن الهزيمة طويلًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك