الثابت في هذه المرحلة التي تعيشها البشرية أن البلدان المتقدمة تمرّ في لحظة انعطاف تاريخية تتمثل في الانتقال من الاقتصاد القائم على المعرفة إلى الاقتصاد القائم على الذكاء.
بالطبع مثل هذا الأمر هو من اختصاص الدول المتقدمة حصريّاً، فيما البلدان المتخلّفة ما تزال تعتمد على تصدير المواد الخام، أو البشر بشكل يد عاملة مُهاجرة تعمل لدى تلك الدول ومؤسساتها، وترسل بالأموال إلى ذويها ومواطنها.
وتبعاً لذلك، يسير عالم اليوم نحو تغيير لم تعرف البشرية مثيلاً له من قبل، وهو أمر يثير إشكاليات عدّة، ولا سيّما أنّه يضاعف من الهوّة الحضارية بين هذين العالمين.
ففيما من المتوقع أن يرتفع منسوب الذكاء في البلدان المتقدمة يتضاعف التخلف في البلدان الفقيرة التي لا تستطيع مواكبة هذه الفورة.
ووضعٌ مختلّ على هذا النحو من شأنه أن يعيد إحياء الفكرة العنصرية من جديد مع ما تطلقه من حروب واختلالات، ولكن تحت غطاء ومبرّرات تتلاءم مع سمات المرحلة.
وانفجار ثورة الذكاء الاصطناعي مع كل ما يرافقها جاء نتيجة عاملَين تضافرا معاً في انطلاقته على هذا النحو المباغت.
يتمثل العامل الأول بالبيانات الضخمة التي توافرت على الشبكات والتي تشمل كلّ المجالات من دون استثناء.
ومن خلال هذه البيانات تستطيع أجهزة الحاسوب البحث عن المعلومات بشتّى اللغات، وتحليلها وعقد المقارنات فيما بينها، والإفادة ممّا لديها من معطيات توصلاً إلى صياغة نتائج جديدة لم يسبق بلوغها.
أما العامل الثاني فيتمثل في التطور الكبير الحاصل في مجال" التعلم العميق"، أي الأبحاث والبرمجيات المرتبطة بتطوير قدرات الآلات على التعلم الذاتي، وهو الهدف الرئيسي للذكاء الاصطناعي الذي بات قادراً على محاكاة العقل البشري والتفوق عليه في مجالات كثيرة بدأت طلائعها في علوم تطبيقية ونظرية عديدة.
لكن التطور لن يقف عند حدود لن يتعدّاها.
إذ يتوقع كثير من العلماء والباحثين أن يتفوّق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري بأشواط في معظم الأعمال قبل العام 2050 على الأكثر.
أما العنصر المقرر في هذا التفوّق فيتمثل في القدرة على تطوير نفسه بنفسه بشكل متواصل، ومن دون حاجة إلى تدخلٍ بشري.
هذا التطور سيكون على شكل دورات متتالية، بحيث ينشأ عن كل دورة جيل جديد أكثر تطوراً ممّا سبقه، وأكثر سرعة في تطوير ذاته، وهكذا وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الخارق.
وخلاله سيشهد العالم تغييرات في غضون خمس دقائق تُعادل ما عرفته البشرية خلال مليون سنة.
هذا الاختراق العظيم سيطلق ثورة صناعية جديدة تختلف عن كل الثورات التي سبق أن عرفتها البشرية.
ما دفع المنتدى الاقتصادي العالمي إلى الحسم أنّ الذكاء الاصطناعي والروبوتات ستكون محرّكَ الثورة الصناعية الرابعة التي سبقتها ثلاث ثورات هي الثورة الصناعية الأولى التي بدأت مع اختراع الآلة البخارية عام 1784، والثانية مع استخدام الطاقة الكهربائية في الإنتاج والاتصالات والمواصلات عام 1870، والثالثة بدأت مع انتشار الحاسوب وإرسال أول رسالة عبر الإنترنت ودخوله عالم الاتصالات والتصنيع والتعليم عام 1969.
الآن، يكثر الحديث في الأوساط العلمية عن عملية إدماج الروبوت أو الإنسان الآلي بالإنسان البشري من خلال رقائق معدنية لا تزيد حجماً عن ظفر المرء، لكنّها يمكن أن تخزّن كمية معلومات هائلة في مختلف العلوم.
إذن، باتت البشرية على أبواب مرحلة يصبح فيها الإنسان المصنَّع مع الشريحة الإلكترونية عبقرياً، خلاف الإنسان العادي الذي يعتمد أساليب تعلّم قاصرة عن اللحاق بزميله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك