إذا أقبل هلالُ رمضان، لم يكن مجرّد إعلانٍ لبداية شهر، بل كان نداءً خفيًّا يطرق القلوب قبل البيوت، ويوقظ في النفوس شوقًا قديماً للطهارة والسكينة والعودة إلى الله.
يأتي رمضان، فتُقبل النفوس قبل الأجساد، وتتهيّأ الأرواح قبل الموائد، وكأن القلوب تعرف طريقها إلى هذا الشهر كما تعرف الأرض طريق المطر.
في رمضان، تخفّ ضوضاء الدنيا قليلًا، ويعلو صوت الداخل… صوت الضمير حين يهمس: آن للروح أن تستريح، آن للقلب أن يتخفّف من أثقاله، وأن يغسل ما علق به من تعب الأيام ولهاثها.
إذا أقبل هلال رمضان، أقبلت النفوس على القرآن، لا على سبيل العادة، بل على سبيل الحاجة؛ حاجة القلب إلى كلمة تطمئنه، وآية تربّت على خوفه، وسورة تعيد ترتيب فوضاه الداخلية.
وفي هذا الشهر، لا نكتشف الجوع فقط، بل نكتشف رحمة الله في كسر الشهوة، ولطفه في تهذيب الرغبة، وحكمته في أن يجعل الامتناع طريقًا للامتلاء.
رمضان مدرسة صامتة، تعلّمنا أن الصبر ليس حرمانًا، بل ارتقاء، وأن ترك بعض ما نحب، هو أصدق دليل على حبّنا لما عند الله.
إذا أقبل هلال رمضان، أقبلت النفوس تبحث عن الصفح، قبل أن تبحث عن الإفطار، وعن سلامة الصدر قبل ازدحام المجالس، وعن الدعاء قبل انشغال الألسنة.
هو شهر يعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا، وبالناس، وبالله.
فنخرج منه إن صدقنا أخفَّ قلبًا، وأصفى روحًا، وأقرب رجاءً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك