بينما كانت الحكومة تصر على فكرة تشديد العقوبات في قضية سرقة التيار الكهربائي، كان هناك على الخط من يدق ناقوس الخطر من اتجاه بلا عقل أو توازن بين فكرة سرقة التيار الكهربائي وبين صعوبة التطبيق لأسباب فنية، دون النظر فيما يمكن أن يحدث من مظالم قد تؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه.
تحدثت إلى صديق لديه من الخبرة ما يجعل نشر رسالته كاملة أمرًا من الأهمية بمقام الواجب تجاه نشرها دون التدخل فيها، بعد أن قام الرجل بتقديم تصور مدهش لما يجري وما يمكن أن يحدث لو أن تعديلات القانون رقم 87 لسنة 2015 تُركت دون ضوابط يراها الخبير، وإليكم رسالته بالتفصيل كما وردت إليّ.
يقول الخبير: “أثار التعديل المقترح لبعض أحكام قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015 -لا سيما ما يتعلق بتغليظ عقوبات الاستيلاء غير المشروع على التيار والتدخل العمدي في معدات الشبكة- حالة من الجدل المشروع بين اتجاهين: اتجاه يرى أن التشديد هو الحد الأدنى لحماية المرفق العام وردع الفاقد غير الفني وما يصاحبه من مخاطر السلامة، واتجاه يتخوف من أن تتحول فلسفة الردع إلى إجراءات واسعة الأثر تُثقل كاهل المواطن وتفتح الباب لتقديرات فنية غير منضبطة أو ممارسات كيدية.
والحقيقة أن معيار تقييم أي تعديل جنائي في جرائم المرافق لا يتوقف على “شدة العقوبة” وحدها، بل على هندسة الإنفاذ: كيف يُثبت الفعل؟ كيف تُحسب المبالغ؟ هل توجد آلية تصحيح قبل الإحالة الجنائية؟ وهل توجد ضمانات توازن بين حماية الشبكة وحقوق الأفراد؟ هنا تحديدًا يتوقف الفرق بين تشديد فعّال يحقق الردع، وتشديد نصي قد يضاعف المنازعات.
الردع وحده لا يكفي.
المشكلة في منظومة الإثبات والتقدير.
جرائم الاستيلاء على التيار لا تُدار كجرائم “تقليدية” يُحسم فيها النزاع بالاعتراف أو شهادة شهود فقط، جوهرها فني: أختام، عدادات، قراءات، توصيلات، فحص موقع، ومقارنة بين أحمال وقدرات وساعات تشغيل، لذلك فإن أي تشديد دون إلزام بضوابط إثبات فني سيقود إلى نتيجة عكسية: الطعون لن تتركز على “الفعل”، بل على “سلامة المحضر” و”معقولية التقدير”، ويتحول النزاع من ردع السارق إلى نزاع إجرائي وفني طويل.
لذلك، فإن أول ما يجب أن يُبنى عليه التعديل هو حد أدنى مُلزم لمحتوى محاضر الضبط: بيانات دقيقة للعداد إن وجد، حالة الأختام وقت الضبط، قراءات، وصف فني للتوصيلة أو موضع العبث، توثيق تصويري، توقيعات، وتسليم صورة أو إخطار موثق للمشترك، هذا ليس تفصيلًا شكليًا؛ بل هو عمود الإثبات الذي تُبنى عليه شرعية الإحالة ومشروعية التقدير.
“تقدير الاستهلاك” قد يتحول إلى عقوبة أكبر من الغرامة.
المعضلة الأخطر عمليًا ليست الغرامة أو الحبس، بل “الرقم” الذي يخرج من التقدير: قيمة استهلاك مستولى عليه قد تُحتسب على أساس قدرة مركبة مبالغ فيها، أو ساعات تشغيل مفترضة دون قرائن، أو مدد مخالفة غير ثابتة، وهنا يصبح التقدير -لا النص الجنائي- هو العقوبة الحقيقية، وكلما ارتفع سقف العقوبات، زادت حساسية أي خطأ تقديري.
إذا أراد المشرّع تشديدًا عادلًا ومستقرًا قضائيًا، فلا بد من إلزام بمنهجية قياسية معلنة للتقدير، تُفرّق بين منزلي وغير منزلي، وتحدد عناصر الحساب: القدرة المرجحة، ساعات التشغيل المرجحة، مدة المخالفة المثبتة بقرائن، معاملات تصحيح، وحدود معقولة للاجتهاد، وترك التفاصيل للائحة التنفيذية، لكن بشرط أن ينص القانون على “مبدأ المنهجية القياسية” و”قابلية المراجعة القضائية” حتى لا تتحول اللائحة إلى مصدر تقديرات متباينة.
التصالح: أداة تنفيذية ممتازة.
لكنها تحتاج ضبطًا تشريعيًا.
التصالح في جرائم المرافق قد يكون أداة فعّالة: تحصيل سريع، تقليل العبء القضائي، وتشجيع تقنين الأوضاع، لكن التصالح أيضًا قد يحمل مخاطرتين إن لم يُضبط:
الغموض في علاقته بالغرامات: هل مقابل التصالح بديل عن الغرامة والعقوبات أم يُضاف إليها؟ إذا تُرك الأمر للتفسير، ستظهر اختلافات تطبيقية بين الجهات، وقد يُدفع المواطن للتصالح ثم يجد نفسه أمام مطالبات أخرى، الصياغة الرشيدة تقتضي نصًا صريحًا: التصالح -متى تم صحيحًا- هو بديل عن العقوبات الجنائية في الجريمة محل التصالح، ويترتب عليه انقضاء الدعوى وآثارها.
خطر تفريغ الردع: إذا كان التصالح قبل رفع الدعوى يساوي “قيمة الاستهلاك فقط”، بينما الغرامات المشددة كبيرة، فقد يصبح التصالح في بعض الاستخدامات غير المنزلية مسارًا أقل ردعًا اقتصاديًا، الحل ليس في إلغاء التصالح بل في ضبطه: وضع حد أدنى مرن لمقابل التصالح يفرّق بين منزلي وغير منزلي، يُحدد في اللائحة التنفيذية ليبقى قابلًا للتعديل الفني دون تشريع جديد.
كما أن نطاق التصالح يجب أن يكون منطقيًا: ما يُحتسب على “استهلاك مستولى عليه” يصلح للتصالح بهذه الطريقة، بينما أفعال مثل “الامتناع عن تقديم خدمة مرخص بها” لا تقوم على استهلاك يمكن حسابه، إدخالها في التصالح بذات الأساس الحسابي يُربك التطبيق.
الأنسب هو قصر التصالح على الجرائم القابلة للحساب، وتنظيم مسار علاجي / تظلمي منفصل للأفعال الأخرى عبر اللائحة: تحقق فني، إخطار، تظلم، إزالة سبب الامتناع، وجبر ضرر إن ثبت.
ضمانات ضد الكيدية: شرط لنجاح الردع لا عائق له.
الاعتراض المجتمعي الأكثر حساسية ليس على ملاحقة السارق، بل على احتمالات “سوء استخدام الضبط” أو “التقديرات المبالغ فيها” أو “الضغط للتصالح”، هنا تظهر أهمية إدراج ضمانات إجرائية صريحة، أهمها: التظلم الفني قبل الإحالة للنيابة في الحالات العادية، مع استثناءات مضبوطة للحالات الجسيمة (خطر داهم، عبث جسيم، عود، وقائع منظمة، انقطاع تيار أو خشية وشيكة).
هذه الضمانة تحقق فائدتين متزامنتين:
• تحمي المواطن من إحالة جنائية تُبنى على خطأ فني قابل للتصحيح.
• وترفع جودة ملف الإحالة، فتزيد فرص الإدانة في الحالات الحقيقية وتقلل الطعون الشكلية.
ولكي لا تتحول ضمانة التظلم إلى حق نظري، يجب النص على أن الإحالة لا تُقبل شكلًا إذا لم تُرفق بمستندات محددة: الإخطار، مذكرة اللجنة الفنية، القرار المسبب، عناصر الإثبات الفني، وبيان التقدير، هذا النوع من الفرملة الإجرائية لا يضعف القانون، بل يجعله أكثر صلابة أمام الرقابة القضائية.
نص مستقل لتجريم التلفيق والابتزاز.
يحقق توازنًا تشريعيًا.
إذا كان المشرّع يشدد على من يسرق أو يعبث بالشبكة، فمن الاتساق التشريعي أن يشدد أيضًا على من يلفق محاضر أو يصطنع أدلة أو يعبث بالأختام أو المستندات بقصد الإضرار أو الابتزاز، وجود نص مستقل في هذا الشأن ليس ترفًا، بل رسالة مؤسسية بأن المنظومة لا تستهدف المواطن بل تستهدف الفعل الإجرامي وتحمي النزاهة.
إحالة التفاصيل للائحة التنفيذية: مطلوبة.
لكن بحدود.
من الطبيعي أن تُحال التفاصيل الفنية إلى اللائحة التنفيذية، لكن يجب الانتباه إلى قاعدة جوهرية: القانون يقرر المبادئ والضمانات الأساسية، واللائحة تُفصل.
لذلك ينبغي أن يبقى في القانون -كأحكام ملزمة- ما يلي:
• نطاق الجرائم والعقوبات وحدودها.
• نطاق التصالح ومضاعفاته وأثره كبديل للعقوبة.
• قاعدة التظلم الفني قبل الإحالة مع الاستثناءات.
• الحد الأدنى لمتطلبات الإثبات (كمبدأ).
ثم تضع اللائحة: المنهجيات التفصيلية، النماذج، تشكيل اللجنة الفنية وإجراءاتها، ومعايير الحد الأدنى المرن للتصالح.
خاتمة: تشديدٌ عادلٌ يعني تشديدًا قابلًا للتطبيق.
الهدف من تشديد عقوبات سرقة الكهرباء مفهوم ومبرر: حماية مرفق حيوي وتقليل فاقد يثقل الاقتصاد ويهدد سلامة الشبكة، لكن نجاح التشديد يتوقف على إدراج ما يجعل القانون قابلًا للتطبيق بعدالة: إثبات فني مضبوط، تقدير قياسي، تظلم قبل الإحالة، وجرائم مضادة للتلفيق والابتزاز، عندها يصبح التعديل تشديدًا فعّالًا لا صاخبًا، يحقق الردع ويقلل المنازعات ويحفظ حقوق المرفق والمواطن معًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك