الموسيقى المرئية، والقصيدة الملونة، هذا كان إحساسى بـ«هامنت» بطلة الفيلم، هي الممثلة الأيرلندية Jessie Buckley، التي تُجسّد شخصية أغنيس (Anne Hathaway)، زوجة William Shakespeare وأم الطفل هامنت، المخرجة هي Chloé Zhao، وهي مخرجة صينية-أمريكية معروفة بأسلوبها التأملي الهادئ الذي يمزج بين الحس الإنساني العميق والصورة الطبيعية البسيطة.
اشتهرت عالمياً بعد فوزها بجائزة الأوسكار عن فيلم Nomadland عام 2021، لتصبح ثاني امرأة في التاريخ تفوز بجائزة أفضل مخرج.
عام 1596، دُفن طفل في الحادية عشرة من عمره في ستراتفورد أبون آفون، اسمه هامنت شكسبير، ابن الكاتب المسرحي William Shakespeare.
السجلات الكنسية تؤكد وجوده ووفاته، لكن التاريخ لا يخبرنا كيف تفاعل أبوه مع الفقد، ولا كيف واجه ذلك الغياب، لا رسائل، لا يوميات، لا اعترافات.
فقط صمت.
بعد سنوات قليلة، كتب شكسبير مسرحيته الأشهر Hamlet، ومن هنا بدأ السؤال الذي لم يتوقف: هل يمكن أن يكون هذا النص العظيم صدى لفقدٍ شخصي عميق؟ ، لا يوجد دليل قاطع يربط موت الابن بكتابة المسرحية، لكن التشابه بين الاسمين (Hamnet / Hamlet) في القرن السادس عشر لم يكن غريباً، وكان يُستخدم أحياناً بالتبادل.
ومع ذلك، تبقى المساحة مفتوحة أمام القراءة الأدبية، لا بوصفها تحقيقاً تاريخياً، بل محاولة لفهم كيف يتحول الألم إلى لغة.
فيلم Hamnet -المقتبس عن رواية الكاتبة البريطانية Maggie O’Farrell- ينطلق من الحقيقة التاريخية نفسها: موت الطفل.
لكنه لا يهتم بتأريخ الحدث بقدر ما يهتم بتشريحه عاطفياً.
الموت في الفيلم ليس عقاباً إلهياً، ولا ذروة درامية صاخبة.
إنه قوة طبيعية عمياء - كالريح أو الشتاء - تتسلل إلى البيت بهدوء.
الطاعون لا يأتى كشريرٍ واضح وصريح، بل كحقيقة بيولوجية صامتة.
لا خطبة وعظية، لا تأويل ميتافيزيقي، بل هشاشة جسد صغير أمام جرثومة.
الحزن هنا ساكن.
الكاميرا تبقى على الوجوه.
الغرفة الفارغة أثقل من أي صراخ.
الموت يُعرَّف عبر الغياب، لا عبر الحدث نفسه.
الفيلم يلمح - دون تصريح مباشر - إلى أن الفقد قد يتحول لاحقاً إلى فن.
إن الحزن البيولوجي الخام يمكن أن يُعاد تشكيله داخل نصٍّ خالد.
ليس الفن إنكاراً للموت، بل إعادة صياغته، انعكاس الفقد: أب يفقد ابنه.
وابن يفقد أباه، في الواقع، أبٌ فقد ابنه، في المسرحية، ابنٌ يفقد أباه، هذا الانعكاس العجيب يفتح باب التأمل.
في الحياة، الأب عاجز؛ لا يستطيع استعادة ابنه ولا الانتقام للموت.
أما في المسرح، فالابن يُمنح - نظرياً - فرصة الفعل، الشبح يظهر، يطلب الثأر، يطالب بالذكرى، كأن الفن يقلب المعادلة ليمنح الفاعلية لمن حُرم منها في الواقع، الألم يُعاد ترتيبه داخل خيال يمنح معنى وحركة لما كان مجرد صدمة.
منذ المشهد الأول، الأب الميت هو المحرك الأساسي للأحداث، الشبح لا يمثل عنصراً خارقاً فقط، بل تجسيداً لفكرة أن الموت لا يغادر الوعي.
«تذكّرني» -وصية الشبح- تتحول إلى عبء أخلاقي يحمله الابن.
هاملت لا يعاني من غياب الجسد فقط، بل من حضور الذكرى، الموت يصبح قوة نفسية، لا حدثاً عابراً.
المسرحية لا تتوقف عند الفقد العائلي، بل تتسع إلى سؤال وجودي شامل، في المونولوج الشهير «أكون أو لا أكون»، يتحول الحزن إلى تأمل في معنى الحياة ذاتها.
هل الوجود احتمال يستحق المعاناة؟ ماذا يعني أن نستمر رغم حتمية الفناء؟ ، مشهد الجمجمة (يوريك) يكثف الفكرة أكثر.
هاملت يمسك بجمجمة شخص كان يُضحكه في طفولته.
الطفولة والموت في إطار واحد.
الزمن يتحول إلى عظم.
الضحك يتحول إلى صمت، إذا وُضع هذا المشهد بجوار حقيقة فقد طفل في الحادية عشرة، يصبح الصدى أكثر عمقاً.
لا دليل مباشر، لكن هناك نص يعرِّف الفقد من الداخل، أما في «هاملت»، فهناك فيض لغوي هائل.
البطل يتكلم، يشك، يحلل، يعترض.
كأن ما لم يُقَل في الواقع قيل بكثافة مضاعفة على المسرح، الموت في المسرحية لا يحدث مرة واحدة، بل ينتشر: قتل، انتحار، سم، مبارزة.
كأن الفقد الأول فتح باباً لا يُغلق حتى يبتلع الجميع.
من منظور نفسى - عصبى، الفقد يخلق فجوة في الروابط العاطفية التي بنتها الذاكرة عبر الزمن.
الدماغ لا يتقبل الغياب بسهولة؛ يستمر في استحضار الصورة والصوت.
يبحث عن معنى يعيد التوازن، الفن قد يكون محاولة لإعادة الترميز: تحويل الفوضى الشعورية إلى بنية سردية، تحويل الألم إلى شعر، تحويل الغياب إلى حضور رمزي، إذا كان شكسبير قد فعل ذلك، فإن «هاملت» ليست فقط تراجيديا سياسية، بل عملية معالجة داخلية بلغة مسرحية، «هامنت» شخصية حقيقية، ومات طفلاً، لا نملك دليلاً مباشراً أن «هاملت» كُتبت بسببه، لكن المسرحية تحمل معرفة عميقة بالفقد، وبثقل الذاكرة، وبعجز الإنسان أمام الموت، الفيلم يعرض الموت كحقيقة بيولوجية صامتة، المسرحية تحوله إلى سؤال وجودي خالد، في الواقع: أبٌ فقد ابنه، في الفن: ابنٌ يطارد شبح أبيه، وبين الحالتين، يقف الإبداع كجسرٍ هشٍّ بين الألم والخلود - لا يعيد من رحل، لكنه يمنح الغياب صوتاً لا يموت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك