لم تكن الدعوة إلى دراما مختلفة مجرد عبارة عابرة في خطاب رسمي، للسيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، بل جاءت كإشارة واضحة إلى ضرورة استعادة الفن لدوره الحقيقي في تشكيل الوعي وبناء الإنسان.
ومع مرور الوقت، بدأنا نلمس أثر هذه الدعوة على خريطة دراما المتحدة هذا العام، حيث ظهرت موضوعات أكثر قربًا من الواقع الاجتماعي، وقضايا وطنية تحمل قدرًا من الجدية والمسؤولية، بعد سنوات طويلة سيطر فيها منطق الإثارة السهلة والصورة الصاخبة على حساب المعنى.
لقد كان الرئيس عبد الفتاح السيسي واضحًا وصريحًا حين طالب بـ«دراما محترمة»، خالية من الألفاظ الخادشة للحياء ومشاهد العنف المفرط، مشددًا على مفهوم «تهذيب الدراما» لا «تطويرها» بالمعنى التقني الضيق.
والفرق هنا جوهري، فالتهذيب يتعلق بالمضمون أولًا: الفكرة، والسيناريو، والحوار، والقيم التي تصل إلى المشاهد داخل بيته، بينما يظل التطوير التقني مسارًا قائمًا بالفعل لا يحتاج إلى تذكير بقدر ما يحتاج إلى توظيف واعٍ يخدم الرسالة.
وللأمانة، فإن مستوى التصوير والإخراج في الدراما المصرية شهد خلال السنوات الأخيرة طفرة ملحوظة، بفضل جيل من المخرجين الموهوبين الذين امتلكوا أدوات العصر، إلى جانب أساتذتنا الكبار الذين ما زالوا يضيفون بخبرتهم ووعيهم الجمالي، إلى جانب الإمكانيات التي وفرتها الشركة المتحدة، لذلك فإن الحديث عن تطوير الدراما من زاوية الكاميرا أو الإضاءة أو تقنيات التنفيذ فقط يبدو قاصرًا عن إدراك جوهر القضية، لأن المشكلة الحقيقية لم تكن يومًا في الشكل، بل في المحتوى الذي يُقدَّم للمشاهد.
الدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي قوة ناعمة قادرة على صياغة الوجدان العام، وترسيخ القيم، وفتح نوافذ الأمل في لحظات القلق الاجتماعي.
وعندما تتجه هذه القوة نحو قضايا الإنسان الحقيقية: العمل، والتعليم، والانتماء، والعدل، والتماسك الأسري، فإنها تتحول إلى شريك في البناء لا مجرد ضيف عابر على الشاشات.
وهذا ما بدأت بعض الأعمال تدركه بالفعل، حين اختارت الاقتراب من نبض الشارع دون ابتذال، ومن الوطنية دون شعارات مباشرة.
إن التحدي الأكبر الآن لا يكمن في إنتاج عمل جيد واحد، بل في خلق مناخ مستمر يحافظ على هذا الاتجاه، بحيث تصبح الجودة قاعدة لا استثناء، ويصبح احترام عقل المشاهد شرطًا أساسيًا لا خيارًا تجميليًا.
وهنا يبرز دور المؤسسات المنتجة، والكتّاب، والمخرجين، وحتى النقاد، في حماية هذا المسار من الارتداد إلى الوراء تحت ضغط المنافسة أو حسابات السوق السريعة.
ما نشهده اليوم يمكن اعتباره بداية استعادة التوازن بين الفن ومسؤوليته المجتمعية.
فالفن الحقيقي لا يعادي المتعة، لكنه يرفض أن تكون المتعة خالية من المعنى.
والدراما القادرة على البقاء هي تلك التي تترك أثرًا في الذاكرة، لا مجرد ضجيج مؤقت ينتهي مع آخر مشهد.
لذلك، فإن روحًا جديدة بدأت تتشكل بالفعل في الدراما المصرية، روح تبحث عن القيمة قبل الصخب، وعن الإنسان قبل البطولة الزائفة، وعن الحقيقة قبل المبالغة.
وإذا استمرت هذه الروح في النمو، فقد نشهد مرحلة مختلفة تعود فيها الدراما إلى مكانها الطبيعي: مرآة للمجتمع… وأداة لبناء وعيه في آنٍ واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك