يتوقف المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” في تقرير له عند ما يعرف بـ “الجبهة الثامنة” واعتبارها من قبل إسرائيل كتهديد وجودي لها.
ويقول التقرير إنه مع اتساع حدة الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب الجرائم التي ارتكبتها منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، نشرت العديد من التقارير الإسرائيلية التي حذرت من خطورة تراجع مكانتها دولياً، وتراجع قوة “سرديتها” أمام السردية الفلسطينية، مشيرةً إلى أن التحدي الذي تواجهه على الساحة العسكرية- الأمنية، امتد ليشمل فضاءات غير مادية تتعلق بتشكيل الرأي العام الشرعية السياسية والأخلاقية على المستوى الدولي.
من ضمن هذه التقارير، كان لافتاً ما وصف بـ”الجبهة الثامنة” في الخطاب الإسرائيلي مؤخراً، وهي تسمية تحيل إلى الساحة الدولية والرأي العام الدولي بوصفها “جبهة حرب”، وهو التصور الذي عرضه سغيف أسولين، المسؤول السابق في جهاز “الموساد”.
يعبّر هذا التصور عن التحول في مقاربات النخب الأمنية – الفكرية الإسرائيلية التقليدية في التعامل مع الصراع، والتي تعيد تعريف “الرأي العام الدولي” كـ”تهديد وجودي” ولا تكتفي بتأطيره ضمن ادّعاء “معاداة السامية”.
هذه المساهمة، تستعرض أبرز ما ورد في مقابلة مع سغيف أسولين، وهو مسؤول رفيع سابق في جهاز “الموساد”، ويشغل اليوم منصب باحث أول في “المركز الأورشاليمي لشؤون الخارجية والأمن”، بعدما أنهى مؤخراً منصبه الرسمي في “الموساد”، وتحوّل منذ بداية الحرب إلى شخصية بارزة في الاستوديوهات والمؤتمرات، ليس كمحلل أمني، بل كمن يحذّر من أن إسرائيل قد تنتصر في ميدان المعركة وتخسر في معركة أخرى يسميها: “الجبهة الثامنة”.
يشير التقرير إلى أن النظر، في اليوم الذي تلا 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبينما كانت إسرائيل لا تزال تحاول لملمة نفسها من صدمة ورعب الهجوم، كان موجهاً إلى قطاع غزة، والأنفاق، وحزب الله، وطهران.
لكن أسولين نظر إلى الساحة الحقيقية التي انكشفت في ذلك الصباح وكانت بعيدة عن الأنظار لسنوات، في حرم الجامعات الأمريكية، وفي الخطاب الإعلامي في الغرب، وفي ما يصفه أسولين بـ “الصمت المدوي للمؤسسات الأكاديمية والثقافية والسياسية”.
يدعي أسولين أن هناك منظومة كانت جاهزة، منسّقة، ومنظّمة للقيام بمهمة “نزع الشرعية عن إسرائيل”، حيث لم يحدث شيء بالصدفة مدّعيا أنه بينما كانت إسرائيل تستعد لمواجهة عسكرية، قام “أعداؤها” بتفعيل ساحة مختلفة تماماً: ساحة الوعي، التأثير، والشرعية في ساحة يطلق عليها اسم «الجبهة الثامنة»: جبهة غير مرئية للعين، لكنها أخطر من أي ساحة مواجهة معروفة، وهي الجبهة التي يقرّ بأن إسرائيل تخسر فيها بوضوح.
يشير التقرير إلى أن اسم أسولين لم يكن يوماً معروفاً بالنسبة للإسرائيليين فقد قضى معظم حياته في خدمة طويلة داخل جهاز “الموساد” بعيداً عن الأضواء، حيث انشغل بالتهديدات الاستراتيجية، وعلى رأسها إيران، انطلاقاً من فهم مفاده “أن الحروب لا تُحسم في اليوم الذي تُطلق فيه النار، بل قبل ذلك بسنوات طويلة، في عمليات هادئة، صبورة، وأحياناً غير مرئية”، مشيراً: “طوال حياتي انشغلت بتهديدات تعرّفها إسرائيل كتهديدات وجودية، فعندما تعرّف دولة ما شيئاً على أنه تهديد، فإنها تعرف كيف تبني له استجابة، غير أن هذه الاستجابة، لم تُبنَ بالشكل الصحيح في جبهة الوعي والدعاية، بل على العكس، لسنوات طويلة عولجت هذه الساحة كملحق، كمشكلة دعاية، وليس كساحة قتال حقيقية”.
يطلق أسولين على الساحة الدولية اسم “الجبهة الثامنة”، وبحسب هذا التعريف، فيها تُدار حرب شاملة في مجال الوعي: شبكات اجتماعية، جامعات، اقتصاد، دبلوماسية ناعمة، تشكيل الرأي العام، والتأثير على صانعي القرار.
وفي هذه الجبهة، يدعي أسولين أن الحرب تُشنّ ضد “دولة إسرائيل، ضد الصهيونية، وضد العالم الغربي عموماً، وضمن ذلك أيضاً ضد يهود الشتات… وعلى عكس الجبهات العسكرية السبع التي حاربت فيها إسرائيل وحققت إنجازات عسكرية واضحة، فقد مُنيت بهزيمة كبرى في هذه الجبهة الثامنة.
وبالنسبة لأسولين، فإن هذا الإخفاق يبدأ على مستوى التعريف، ففي إسرائيل يسمّون هذه الساحة “دعاية”، وهو ما يخلق “تصوراً/ مفهوماً” خاطئاً بشكل عميق، وذلك “لأن الدعاية التي تقوم بها بعد أن تخطئ، هي دفاع، أشبه بالاعتذار، أنت تشرح لماذا فعلت، في اللحظة التي تنطلق فيها من نقطة الانطلاق هذه، تكون بالفعل في موقع دوني وضعيف”.
حسب “مدار” ينطلق أسولين في ادّعائه من افتراض واضح: ما لم يُعرَّف كتهديد، لا يحظى باستجابة حقيقية وانطلاقاً من هذا التشخيص وُلدت المبادرة غير المألوفة في المشهد السياسي- الأيديولوجي الإسرائيلي: “المؤتمر الصهيوني غير اليهودي الأول”، فقد أُقيم بالتعاون مع شركاء أمريكيين وإسرائيليين، ويسعى إلى تنظيم حلفاء الصهيونية- هذه المرة غير اليهود- في جسم منظم، يضم قادة من المسيحية الإنجيلية، شخصيات ثقافية، صانعي رأي، وشخصيات عامة أمريكية، تمثل جماهير بمئات الملايين، وكل هؤلاء يجمعهم تصور واحد: “إسرائيل هي خط الجبهة الأمامي للغرب”.
إن هذا المؤتمر بحسب أسولين لن يعمل بالشكل الذي عملت فيه إسرائيل في السابق، وإنما سيفكر بالطريقة نفسها التي عمل فيها “الطرف الآخر” (الفلسطينيون ومن يناصر القضية) من حيث بناء الشبكات والمنظمات واللغة الحقوقية، مشيراً: “نحن اكتفينا بالدعاية، وهزمنا، وهذا المؤتمر هو إعلان: هناك تصور، هوية مشتركة، والتزام طويل الأمد”.
وسط تجاهل مريع لجرائم الحرب المتتالية التي ارتكبتها إسرائيل منذ قامت وآخرها في غزة يشير أسولين إلى أنه لا يطرح حلاً سحرياً، بل يطرح تغييراً في نموذج العمل، أو “التصور”، وبمقتضى ذلك: لا بد من الانتقال من تفكير عسكري تكتيكي إلى تفكير مدني- استراتيجي، يفهم أن الصراع على إسرائيل يُدار بعيداً جداً عن حدودها.
وبموجب هذا التصور، فإن “الحديث لا يدور فقط عن موجة ’معاداة للسامية’، بل عن موجة هائلة من العداء للغرب ومعارضة القيم الغربية، وإسرائيل ليست القصة بحد ذاتها، بل أداة ضمن صراع أوسع بكثير ضد العالم الغربي”.
لذلك، يدّعي أسولين أن “الخطأ المتكرر الذي ترتكبه إسرائيل هو محاولة تأطير الصراع كصراع ضد اليهود فقط، لكن نحن أمام هجوم أيديولوجي واسع من جانب أطراف إسلامية راديكالية وحركات تقدمية متطرفة في آن واحد”.
يقول أسولين إن إيران تقع في قلب الأحداث، وهي مساهمة في كل ما يحدث ضدّ إسرائيل، غير أن التركيز على النووي، الصواريخ الباليستية، والأذرع العسكرية، يشكل قصوراً، ويفوّت جوهر المسألة، فهو يدّعي أن إيران تدير حرباً طويلة الأمد على الوعي الغربي، من خلال تقويض قدرة الغرب على فهم نفسه، و”من خلال مفاهيم مثل العدالة، القمع، والكولونيالية”.
بالإضافة لذلك، يؤكد أسولين على أن “قطر هي لاعب مركزي”، فهي بحسبه “ليست وسيطاً بريئاً، فهي تستثمر أموالاً طائلة في الأكاديميا، الإعلام، والمجتمع المدني، ليس لإطلاق رصاصة واحدة، بل لتشكيل الخطاب ضد إسرائيل، وهو ما يظهرـ حسبه ـ في اللغة المشتركة للجامعات الغربية”.
يقول أسولين في نهاية التقرير: “قد نستطيع الانتصار في كل الجبهات العسكرية، لكن إذا جرى تقويضنا من الداخل، إذا تم الانتصار على الصهيونية وعلى جوهر إسرائيل عبر عالمي الوعي والتأثير، فلن يعود مهماً كم انتصرنا في الخارج، لذلك، فإن ما حدث بعد 7 أكتوبر 2023 وضع مرآة أمام إسرائيل والشعب اليهودي… لقد تمّ كشف الخطة، والآن السؤال هو “ما إذا كنا سنفهم أن الجبهة الثامنة هي تهديد وجودي، ونتحرك وفقاً لذلك؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك