مرّ عام على التحولات التي فجّرتها عودة الخطاب الأميركي المتشدد تجاه أوروبا، إلا أن الحصيلة لم تكن انكفاءً أوروبياً بقدر ما كانت لحظة إعادة تموضع تاريخية.
فبدلاً من الارتهان للصدمة، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز أدواته الاقتصادية والاستراتيجية، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً: تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة والصين وبناء قدرة ذاتية أكثر صلابة في مجالات المال والتجارة والتكنولوجيا والدفاع.
برز خلال العام الماضي تحالف قيادي داخل أوروبا أعاد رسم موازين النفوذ.
فقد عززت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين موقعها التنفيذي مدعومة بتحالفات فعالة، من بينها الدور المتنامي لرئيسة الوزراء الدنماركية ميتا فريدركسن داخل مجلس القادة الأوروبيين.
في المقابل، تراجع التأثير الفرنسي نسبياً رغم الخطاب الطموح للرئيس إيمانويل ماكرون بشأن" الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي عن واشنطن.
كما ساهم صعود المستشار الألماني فريدريش ميرز منذ عام في الدفع نحو مقاربة أكثر صراحة حول ضرورة تقليل الاعتماد على واشنطن، لا سيما بعد التوترات السياسية التي أعقبت خطاب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في مؤتمر ميونخ للأمن في العام الماضي، وما تبعه من أزمات دبلوماسية، وصولاً إلى" لحظة غرينلاند" وما سببته من المزيد من التوتر عبر الأطلسي.
هذه التحولات لم تبق في إطار الخطاب، بل انعكست على آليات صنع القرار، فقد أصبح البرلمان الأوروبي أكثر انخراطاً في الملفات الاقتصادية الكبرى، من تحرير الأسواق إلى الاتفاقيات التجارية، فيما بدت المفوضية أقرب إلى" حكومة تنفيذية" متماسكة مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بالتشتت.
تسريع الاتفاقيات التجارية وتوسيع الأسواق في أوروبا.
اقتصادياً، كان الرد الأوروبي الأبرز هو تسريع الانفتاح على أسواق بديلة.
فالاتحاد أبرم أو دفع قدماً باتفاقيات تجارة حرة مع دول في أميركا الجنوبية والهند والمكسيك وعدد من الاقتصادات الآسيوية، في خطوة تهدف إلى تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على السوق الأميركية.
ورغم معارضة داخلية، خاصة من قطاعات زراعية فرنسية، مضت المفوضية بقيادة فون ديرلاين في تثبيت اتفاقيات استراتيجية مع تكتلات أميركا الجنوبية، معتبرة أن الإطار القانوني الملزم لهذه الاتفاقيات يمنح الشركات الأوروبية استقراراً طويل الأمد، ويعزز معايير العمل والبيئة التي يصر الاتحاد على تضمينها في شراكاته.
في موازاة ذلك، تحوّلت كندا إلى شريك استراتيجي وثيق، في ظل سعي أوتاوا إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
وقد شاركت في برامج الدفاع والبحث الأوروبية، ودفعت نحو تقارب أوسع بين الاتحاد الأوروبي وتكتلات التجارة الحرة في منطقة المحيط الهادئ.
الاستقلال الاقتصادي الرقمي والتكنولوجي.
أحد أبرز محاور التحول حصل في المجال الرقمي.
فالقارة التي لطالما هيمنت عليها شركات التكنولوجيا الأميركية، بدأت تبني بدائل محلية.
تبرز هنا شركة" ميسترال إيه آي" الفرنسية بوصفها أحد رموز الطموح الأوروبي في الذكاء الاصطناعي، رغم التحديات المرتبطة بقدرتها على منافسة عمالقة وادي السيليكون.
وفي ألمانيا، تقود شركة راينميتال مشاريع استراتيجية تشمل الأقمار الاصطناعية العسكرية، ما يفتح الباب أمام تطوير بدائل أوروبية مدنية لأنظمة اتصالات مثل ستارلينك التابعة لإيلون ماسك.
هذا التوجه يتكامل مع استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة، وتحديث شبكات الكهرباء، والصناعات الدفاعية، ما يعزز القاعدة الصناعية الأوروبية ويوفر فرص عمل محلية، في وقت تتزايد فيه أهمية الأمن الاقتصادي.
في المجال المالي، تسارعت الخطوات نحو تقليل الاعتماد على البنية التحتية الأميركية.
فمعظم المدفوعات العابرة للحدود داخل أوروبا لا تزال تمر عبر شبكات أميركية مثل" فيزا" و" ماستركارد".
لذلك يُعمل على تطوير اليورو الرقمي رغم استمرار الجدل حول نطاقه وأهدافه.
رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد دفعت باتجاه نقاش أوسع حول تعزيز مكانة اليورو بصفته عملة دولية.
فاليورو، الذي صمد 27 عاماً أمام أزمات متتالية، يُنظر إليه اليوم باعتباره أداة مركزية لتقليص هيمنة الدولار في التجارة العالمية.
كما يتقدم مشروع تكامل أسواق رأس المال الأوروبية بهدف تسهيل تمويل الشركات الناشئة والصغيرة، والحد من تدفق المدخرات الأوروبية نحو الأسواق الأميركية.
فضعف القيمة السوقية لبورصات أوروبية مقارنة بنظيراتها الأميركية يعكس فجوة في جذب الاستثمارات، تسعى بروكسل إلى ردمها.
على الصعيد الداخلي، أطلقت المفوضية حزم إصلاح واسعة لتخفيف الأعباء البيروقراطية عن الشركات، تشمل قطاعات الاستدامة والصناعة والسيارات والدفاع.
وتشير تقديرات المفوضية إلى أن حزمة التبسيط قد تخفّض التكاليف الإدارية على الشركات بمليارات اليوروهات سنوياً، ما يعزز قدرتها على الاستثمار والتوسع، في محاولة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الأوروبي من دون التخلي عن المعايير البيئية والاجتماعية.
هذه الخطوة تعكس تحولاً في فلسفة التشريع الأوروبي، من التركيز على الكم التنظيمي إلى قياس أثر القواعد على النمو والاستثمار، استجابةً لانتقادات لطالما وُجهت إلى بروكسل بشأن الإفراط في التنظيم.
رغم بطء القرار في اتحاد يضم 27 دولة، إلا أن التنوع الأوروبي بات يُنظر إليه باعتباره عنصر قوة، إذ يمنع تركّز القرار في يد نخبة ضيقة، ويؤسس لتوافقات طويلة الأمد أكثر استقراراً.
التحالفات الجديدة، مثل التقارب بين ألمانيا وإيطاليا، تعكس مرونة سياسية تعزز مسار التكامل الاقتصادي.
في المحصلة، لم يكن العام الماضي مجرد ردة فعل أوروبية على ضغوط خارجية، بل لحظة تأسيسية لإعادة صياغة الدور الاقتصادي للقارة وفقاً لقراءات الأوروبيين أنفسهم للتجربة.
فالاتحاد الأوروبي يتحرك اليوم لبناء منظومة أكثر استقلالاً: أسواق أوسع، بنية مالية متكاملة، قاعدة صناعية متجددة وعملة تسعى إلى دور عالمي أكبر.
بالطبع، الطريق لا يزال طويلاً، والتحديات البنيوية قائمة، لكن المؤشرات تدل على أن أوروبا انتقلت من موقع الدفاع إلى مرحلة المبادرة.
وفي عالم يتسم بتنافس القوى الكبرى، تبدو القارة مصممة على ألا تبقى ساحة نفوذ، بل لاعباً اقتصادياً مستقلاً يسعى إلى تأمين مستقبله بأدواته الذاتية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك