مع بداية كل موسم رمضاني، لا يكون السؤال فقط: ماذا سنشاهد؟ بل: ماذا تقول الدراما عنا؟ وأي صورة تريد أن ترسمها للمجتمع؟في رمضان 2026، تبدو خريطة المسلسلات محاولة واضحة لإعادة تعريف وظيفة الدراما الجماهيرية، ليس باعتبارها ترفيهًا خالصًا، ولا خطابًا تعليميًا مباشرًا، بل مساحة تلتقي فيها الحكاية الشعبية مع ملفات الواقع، ويجاور فيها التاريخ الأسئلة المعاصرة.
هذا العام، تقترب المسلسلات بشكل لافت من مناطق حساسة في الواقع المصري؛ مسلسل «رأس الأفعى» لا يقدم مجرد مطاردة بوليسية تقليدية، بل يستند إلى ملف أمني حقيقي، في اتجاه يعكس رغبة في تحويل بطولات الظل إلى مادة درامية قابلة للنقاش.
هنا لا تصبح الدراما تسجيل وقائع فقط، بل مشاركة في معركة الوعي، ومحاولة لطرح أسئلة عن طبيعة خطر جماعة الإخوان المسلمين وقيادات التيارات المتشددة، وكيف تُواجَه.
هذا التوجه نحو الاستناد إلى وقائع حقيقية ليس مجرد صيغة درامية جديدة، بل يحمل في طياته تحولًا في علاقة المشاهد بالنص.
عندما تعرف أن حبكة «رأس الأفعى» ليست نتاج خيال كاتب، بل مستمدة من ملفات أمنية حقيقية، فإن درجة التلقي تختلف.
حيث يتشكل وعي جمعي جديد يدرك أن الخطر ليس وهميًا، وأن المعركة قائمة على الأرض.
هذه النوعية من الدراما تخلق جسرًا بين المواطن والمؤسسات الوطنية، وتترجم البطولات المجردة إلى حكايات إنسانية قابلة للمس.
وهي بذلك تؤدي وظيفة مزدوجة، أولًا: التوثيق العاطفي للحدث، وثانيًا: تحويل المتفرج من مشاهد سلبي إلى شريك في قراءة الواقع واستخلاص الدروس.
اللافت أيضًا هو انفتاح الخريطة الرمضانية على الكوميديا التي تحمل بعدًا ثقافيًا مهمًا.
مسلسل «النص 2»، بفريقه المتميز في الكتابة والتمثيل والإخراج، يعود بالمشاهد إلى أربعينيات القرن الماضي، إلى لحظة تاريخية كانت مصر فيها جزءًا من صراع عالمي أكبر.
استدعاء هذه المرحلة لا يأتي بوصفه حنينًا للماضي، بل كقراءة لجذور الحاضر.
التاريخ هنا ليس ديكورًا في العمل الكوميدي، بل مرآة أخرى نرى فيها أنفسنا.
أما الخطوة الأكثر وضوحًا من حيث الرسالة، فتتمثل في مسلسل «صحاب الأرض»، الذي يضع القضية الفلسطينية داخل السياق الدرامي الرمضاني.
اختيار غزة كمسرح للأحداث، عبر حكاية قافلة إغاثة، يعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل يمكن للفن أن يكون محايدًا تجاه قضايا أمته؟ العمل يجيب عمليًا بالنفي، ويؤكد أن الدراما المصرية ما زالت ترى نفسها جزءًا من فضاء عربي أوسع، لا مجرد صناعة محلية.
إلى جانب الدراما السياسية والتاريخية، تثبت الدراما الاجتماعية مرة بعد أخرى أنها قادرة على تغيير الواقع، وليس فقط عكسه.
ما فعله مسلسل «تحت الوصاية» في لفت الأنظار إلى معاناة الأمهات اللاتي فقدن أزواجهن، وما أحدثه «لام شمسية» من هزة مجتمعية حقيقية حول قضية التحرش بالأطفال، يؤكد أن الدراما المصرية استعادت دورها الريادي في صياغة الوعي.
هذا التأثير يمتد ليتكرر هذا العام مع مسلسلات مثل «أب.
ولكن» الذي يعيد طرح أسئلة الأبوة والمسؤولية المجتمعية في قالب إنساني، وغيرها من الأعمال التي تدرك أن المشاهد لم يعد يقبل بالحكايات المنفصلة عن واقعه، بل يبحث عن مرآة صادقة تعكس همومه، بل وتقترح حلولًا أو تفتح نقاشًا قد يقود إلى تغيير حقيقي.
خريطة 2026، بهذا المعنى، لا يمكن قراءتها فقط كقائمة مسلسلات.
هي بيان غير مكتوب عن اتجاه صناعة كاملة.
اتجاه يحاول الاقتراب من الواقع دون الوقوع في المباشرة، واستدعاء التاريخ دون التحول إلى متحف، وطرح القضايا الكبرى دون التضحية بعنصر المتعة.
ربما لا تكون كل التجارب على درجة واحدة من النجاح، وهذا طبيعي في أي موسم مزدحم.
لكن المؤكد أن هناك محاولة واعية لتوسيع حدود ما يمكن أن تقوله الدراما الرمضانية، وما يمكن أن تناقشه.
وهي محاولة تستحق المتابعة، والنقد، والاشتباك، لأنها في النهاية تعكس كيف نرى أنفسنا، وكيف نريد أن نروي حكاياتنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك