منذ سقوط النظام السوري، علّق كثير من السوريين آمالاً كبيرة على قيام الدولة السورية الجديدة بفتح مسار جدي للعدالة الانتقالية، يفضي إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق الشعب السوري على مدار أربعة عشر عاماً.
ولم تكن هذه المطالب ترفاً سياسياً أو رغبة انتقامية، بل استحقاقاً أخلاقياً وقانونياً يشكّل حجر الأساس لأي دولة تسعى إلى بناء مستقبل قائم على القانون والمواطنة.
طالبت شرائح واسعة من السوريين بإنشاء محاكم خاصة على غرار محاكم نورمبرغ التي أُقيمت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي مثّلت نموذجاً عالمياً في ملاحقة مجرمي الحرب وعدم إفلاتهم من العقاب.
غير أن الواقع الذي تبلور لاحقاً كان مغايراً للتوقعات، بل ومثيراً للقلق.
عدالة انتقالية لا تشبه آمال السوريين.
مع تأسيس هيئة العدالة الانتقالية التابعة لوزارة العدل السورية، كان من المفترض أن تكون هذه الهيئة أداة حقيقية لكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة الجناة.
إلا أن أداء الهيئة، وفق ما تسرّب إلى الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يلبِّ الحد الأدنى من تطلعات السوريين.
فقد شهد الرأي العام خلال الفترة الماضية سلسلة من القرارات التي أُفرج بموجبها عن ضباط وعناصر سابقين في أجهزة النظام، بعد احتجازهم لفترات قصيرة، بذريعة عدم ثبوت مشاركتهم المباشرة في أعمال إجرامية.
هذا التبرير، في نظر كثيرين، لا ينسجم مع طبيعة الجرائم الممنهجة التي ارتُكبت، ولا مع مبدأ المسؤولية القيادية أو التشاركية في الانتهاكات.
والأخطر من ذلك ما تداولته تقارير وتسريبات إعلامية عن تسويات مالية دفعتها بعض هذه الشخصيات مقابل الإفراج عنها، أو تمكّنها من مغادرة البلاد، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً:
هل ما زالت العدالة الانتقالية قائمة فعلاً؟ أم أنها تحوّلت إلى مسار شكلي يفتقر إلى الشفافية والإرادة السياسية؟ملف الأطفال المختطفين… الجرح الأكثر إيلاماً.
إلى جانب ملف المحاسبة، يبرز واحد من أكثر الملفات الإنسانية حساسية وإهمالاً، وهو قضية الأطفال المغيّبين قسراً، ولا سيما أبناء المعتقلين الذين فُقدوا خلال سنوات الاعتقال، أو انتُزعوا من ذويهم، وتم تغيير أسمائهم وهوياتهم ومكان إقامتهم.
منذ سقوط النظام، ظهرت عشرات الشهادات لحالات عائلات تبحث عن أطفالها، وسط مطالبات بفتح تحقيقات رسمية، وبالتعاون مع منظمات دولية معنية بحماية الطفل، مثل منظمات رعاية الأيتام، ومنظمات إنسانية دولية كانت تنشط داخل سوريا خلال السنوات الماضية.
كما طُرحت تساؤلات جدية حول دور بعض المنظمات العالمية العاملة في سوريا، وضرورة التدقيق في سجلات الأطفال الذين أُودعوا دور الرعاية، والتحقق من هوياتهم الحقيقية، وظروف فصلهم عن ذويهم، وإمكانية تعرّضهم لعمليات تغيير قسري للأسماء والنسب.
رغم خطورة هذا الملف وحساسيته الإنسانية، لم تُسجَّل حتى الآن خطوات ملموسة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لمعالجة هذه القضية، أو حتى الإعلان عن خطة واضحة، أو عقد اجتماعات رسمية موسّعة بمشاركة جهات حقوقية مستقلة.
ويثير هذا الغياب تساؤلات مشروعة، خاصة أن جوهر عمل الوزارة يقوم أساساً على حماية الفئات الهشة، وفي مقدمتها الأطفال.
فكيف يمكن تبرير هذا الصمت؟ولماذا لا يُفتح هذا الملف على أعلى المستويات، باعتباره قضية وطنية وإنسانية تمس آلاف العائلات السورية؟إن العدالة الانتقالية لا تقتصر على محاكمات شكلية، ولا يمكن أن تُبنى على صفقات أو تسويات مالية، كما لا يمكن لأي مشروع مصالحة وطنية أن ينجح دون كشف الحقيقة كاملة، وإنصاف الضحايا، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وفي مقدمتها حق الأطفال في هويتهم وعائلاتهم.
ما يحتاجه السوريون اليوم ليس شعارات، بل إرادة سياسية واضحة، ومؤسسات شفافة، ومحاسبة حقيقية تضع حدّاً للإفلات من العقاب، وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
فهل تملك الدولة السورية الجديدة الشجاعة لفتح هذه الملفات حتى النهاية؟أم أن العدالة ستبقى مؤجلة، فيما تستمر جراح السوريين مفتوحة بلا إنصاف؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك