في الأزمنة الكبرى، كان التاريخ يُكتب بلغة التحولات: سقوط جدران، صعود أفكار، إنبعاث أمم من تحت الرماد، أما اليوم، فيبدو أن بعض القادة يكتبون تاريخا من نوع آخر، تاريخا يعيد نفسه حتى الملل، في موسكو، يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تقديم نسخته الخاصة من الإستقرار الصلب، دولة قوية في خطابها، محاصرة في واقعها، وحرب في أوكرانيا تحولت من حدث صادم إلى خبر يومي بارد.
لم يعد العالم يندهش من بيانات الكرملين، ولا من العقوبات الغربية عليه، ولا حتى من مشاهد الدمار، لقد أصبح الصراع جزءا من روتين الأخبار، كأنه فصل طويل لا يعرف الخاتمة.
وفي واشنطن يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المعادلة نفسها التي يجيدها: تهديد أولا، تفاوض لاحقا، ثم إعلان نصر بصيغة خطابية مع إيران، مع الحلفاء، مع الخصوم، تتكرر اللغة ذاتها.
السياسة تتحول إلى عرض دائم، والإثارة تفقد قدرتها على الإدهاش.
كل أزمة تقدم كأنها لحظة فاصلة، ثم تذوب في أزمة تليها.
أما في تل أبيب، فيمضي رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في إدارة صراع مفتوح مع الفلسطينيين، ومع خصومه في الداخل أيضا.
الحرب، التهدئة، العودة إلى الحرب، دائرة مغلقة تتغذى على الخوف المتبادل، الكلمات كبيرة، " أمن، ردع، وجود"، لكن النتائج تتشابه، كأن الزمن السياسي توقف عند نقطة لا يتحرك منها.
الملل هنا ليس غياب الحدث، بل فرط حضوره، كثافة الأزمات جعلتها إعتيادية.
القادة يتحدثون بلغة حادة، لكنهم نادرا ما يغامرون بخيال سياسي يفتح أفقا جديدا.
لا أحد يريد أن يخسر، ولا أحد يجرؤ على أن يربح بطريقة مختلفة.
وهكذا، يصبح التاريخ إدارة مستمرة للأزمة، لا صناعة مستقبل.
ثمة مفارقة موجعة، العالم يعيش تحولات تكنولوجية هائلة، ثورات في الذكاء الإصطناعي والطاقة والإتصال، لكن السياسة العليا ما تزال أسيرة خرائط قديمة ومفردات تعود إلى القرن الماضي.
كأن بعض القادة يكتبون التاريخ بقلم جاف، يعيد رسم الخطوط نفسها فوق الورق ذاته.
ليس الملل في الأحداث، بل في غياب الخيال.
فالتاريخ، حين يفقد القدرة على الحلم، يتحول إلى نشرة يومية طويلة ومملة.
وعندها لا يعود السؤال من سينتصر؟ بل متى يتوقف هذا التكرار المرهق، ليبدأ زمن جديد يُكتب بلغة أقل صخبا وأكثر معنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك