أغلق سرحان الكتاب، ثم اتجه إلى عرفان سائلاً:
- أتعرف من المتصوفات اللاتي جمعن بين الشريعة والحقيقة، بين الرواية والدراية؟- أعتقد أن على رأسهن حفصة بنت سيرين التي تُكنى بأم الهذيل.
سأل سرحان: أهي أخت محمد بن سيرين مفسر الأحلام الشهير؟- نعم، وكانت أصغر إخوتها، وهم يحيى ومعبد وأنس وكريمة، وكانوا جميعاً من المحدّثين الثقات أيضاً.
وقد روت حفصة الحديث النبوي عن أم عطية، وأم الرائح، ومولاها أنس بن مالك، وأبى العالية، وقتادة، وأيوب، وخالد الحذاء، وابن عون، وهشام بن حسان، وأخيها محمد.
صمت سرحان برهة، ثم عاد إلى السؤال:
- حفظت القرآن وهى بنت اثنتى عشرة سنة، وكانت على معرفة بالفقه والأخلاق والآداب وغيرها، أما عن عبادتها فقيل إنها اعتكفت ثلاثين سنة لا تخرج من مصلاها إلا لقائلة أو قضاء حاجة، ويصفها السلمى فى طبقاته بأنها «من متعبّدات البصرة، زاهدة ورعة، صاحبة آيات وكرامات.
وكانت تسرجُ سراجها مِن الليل ثم تقوم وتصلى فى مصلاها فرُبما طُفئ السراج، ويُضىء لها البيتُ حتى تُصبح».
فيما يقول عنها ابن الجوزى فى كتابه «مرآة الزمان» فى معرض تعبيره عن ملازمتها العبادة والطاعة: «كانت تختِمُ القرآنَ كل يوم وليلة، وتصومُ الدهر، وتُفطر العيدَين وأيَّام التشريق».
- وُلدت سنة 31هـ فى عهد الخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه، وكان أبوها أسيراً لدى أنس بن مالك، خادم النبى الشهير، ومحدّثه المعروف، وقد أُهدى إليه بعد فتح خالد بن الوليد العراق، فأعتقه، وزوَّجه فتاة تُسمى صفية، كان أبوبكر الصديق رضى الله عنه، قد أعتقها هى الأخرى، ولما عادا إلى العراق، أنجب منها عدداً من الأولاد والبنات.
- تزوجت من عبدالرحمن بن أذينة بن سلمة العبدى الكوفى قاضى البصرة، وأنجبت منه هذيل، ويقال إن ثلاثاً من زوجات النبى صلى الله عليه وسلم، قد تولين زينتها يوم عرسها، وحضر زفافها عدد كبير من الصحابة، فيهم ثمانية عشر ممن حضروا معركة بدر.
- فضلاً عما كان لديه من علم تعلمت منه الخلق القويم، وها هى تقول عنه: «ما رأيتُه رافعاً صوتَه على أمه قطُّ، وكان إذا كلَّمها كلَّمها كالمصغى إليها بالشىء، وفى رواية أخرى «وكان إذا كلَّمها كأنه مريضٌ، فلو رآه رجلٌ لا يعرفه، قال: هذا مريض، فيقال: ما الذى به؟ فيقال: كذا يكون عند أمّه».
وكان محمد إذا اشترى لأمه ثوباً كان ألين ما يجد فى السوق، لا ينظر فى بقائه، فإذا كان كل يوم عيد صبغ لها ثيابها.
- هو أيضاً تعلم منها، حسبما يخبرنا الذهبى فى كتابه «الكاشف»، حيث ذكر عن أخيها: «إذا أُشكل عليه شىء من القرآن الكريم، يقول: اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ».
وكيف لا يكون ذلك وهى من تلقت العلم على يد أنس بن مالك، رضى الله عنه، والصحابية أم عطية الأنصارية، وهى من كبار الصحابيات اللاتى شهدن الحروب مع النبى، صلى الله عليه وسلم، فكانت تصنع للجنود طعامهم، وتداوى جرحاهم، وقبل هذا كانت من أشهر تلميذات السيدة عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، وهنا يقول عنها المؤرخ الشهير ابن كثير فى تاريخه «البداية والنهاية»: «لم يكن فى النساء أعلمُ من تلميذاتها: عمرة بنت عبدالرحمن، وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة».
استدعى عرفان شيئاً آخر عن علمها، وواصل:
- كيف لا يتعلم منها أخوها وهى من ناظرت ذات يوم مورق بن المشمرج العجلىُّ، وكان عَلَماً فى الحديث النبوى، وقالت هى فى ذلك: «كان مورّق يزورنا، فزارنا يوماً فسلّم فرددتُ عليه، ثم ساءلنى وساءلتُه».
- لا بد لمن برت بوالديها، ورأت أخاها يبر بهما أن تلقى هذا من أبنائها.
- علّمت أبناءها، وكان من بينهم هذيل، فكان من أبر الناس بأمه، حتى قالت فيه: «كان الهذيل يجمع الحطب فى الصيف فيُقشره ويأخذ القصب فيفلقه، فكان إذا جاء الشتاء جاء بالكانون فيضعه خلفى وأنا فى مصلاى، ثم يقعد فيوقد بذلك الحطب المقشر وذاك القصب المفلق وقوداً لا يؤذى دخانه ويدفئنى، ونمكث بذلك ما شاء الله».
ثم تقول فيه أيضاً: «كان يبعث إلى بحلبة بالغداة فأقول يا بنى إنك لتعلم أنى لا أشربه، أنا صائمة.
فيقول يا أم الهذيل إن أطيب اللبن ما بات فى ضروع الإبل، اسقيه من شئت».
امتلأت عينا عرفان بالدموع، وواصل:
- مات هذيل فصبرت، وهى تقاوم غصة فى حلقها لا تفارقها، وحرارة فى صدرها لا تكاد تهدأ، لكن الله أنزل السكينة على قلبها، فتحمّلت، وهنا تقول عن حالها هذه: «فبينما أنا ذات ليلة أقرأ سورة النحل إذ أتيت على هذه الآية (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فأعدتها، فأذهب الله ما كنت أجد».
- تتلمذ على يدها كثيرون، منهم عائشة بنت سعد السعدية البصرية، وابن إياس بن معاوية المزنى قاضى البصرة، وأحد مشاهير جيل التابعين فى نهايات القرن الأول الهجرى، الذى قال عنها «ما أدركتُ أحداً أُفضِّله على حفصة، فسأله: الحسن البصرى: وابن سيرين محمد؟ فأجابه: أما أنا فلا أُفضِّل عليها أحداً».
كما تتلمذ عليها أيوب السختيانى، وقتادة بن دعامة السدوسى، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، وهم علماء يُشار إليهم بالبنان.
وقد أثنى عليها الذهبى فى بعض مؤلفاته، حيث قال عنها: «كانت عديمة النظير فى نساء وقتها، فقيهة صادقة فاضلة كبيرة القدر».
اشتُهرت حفصة بالتعبد، فقيل إنها كانت تختم القرآن الكريم كل يومين، وقالت عنها جاريتها إنها كانت تظل طوال الليل تبكى وتصلى.
وحافظت، حتى وهى عجوز ضعيفة على أدبها وأخلاقها، ولم تترخص فى هذا أبداً، بدعوى أنها صارت ضمن القواعد من النساء، وهنا يقول أحد تلاميذها: «كانت تجلس إلينا وهى العجوز وقد لبست جلبابها وتنقبت به حتى إن أحدهم أشفق عليها، فقال لها ذات يوم: رحمك الله أما قال تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ)؟ فقالت له بهدوء: وأى شىء بعد ذلك؟ فأتم الآية، وقرأ: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ)، فردت عليه: فى هذا إثبات الجلباب».
ولهذا ظلت محافظة على ارتداء جلبابها الطويل حتى بين ما كانوا فى عمر أحفادها، وكانت تنصحهم: «يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب فإنى ما رأيت العمل إلا فى الشباب».
تمنّت حفصة أن تموت على الشهادة، فكان أنس بن مالك يسألها: بأى شىء تُحبين أن تموتى؟ فتجيبه: «بالطاعون، فإنه شهادة لكل مسلم».
ويقال إنها قد أعدت كفنها قبل سنين من وفاتها، فإذا حجّت ارتدته، وكذلك فى العشر الأواخر من رمضان، فتقيم به الليل.
توفيت حفصة بعد السنة المائة من الهجرة، عن عمر ناهز التسعين عاماً، وكانت جنازتها مشهودة، إذ خرج خلفها كبار التابعين، على رأسهم الحسن البصرى، ومحمد بن سيرين، وسط آلاف الناس، حتى قال ابن الجوزى عن جنازتها: «لم يبق بكر ولا عانس إلا وشهدها».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك