سيرة الإمام ورش المصري، راوي قراءة نافع، من نشأة بسيطة إلى إمامٍ خلدت روايتُه تلاوةَ القرآن في مصر والعالم الإسلامي عبر القرون.
الإمام ورش، عثمان بن سعيد المصري، عَلَمٌ من أعلام القراءات، نشأ من بيئة بسيطة، وارتقى بالعلم والإتقان حتى صار إمامًا يُشار إليه بالبنان.
تلقّى القراءة عن الإمام نافع، وتفرّد بصوتٍ شجيٍّ وأداءٍ متقن، ثم عاد إلى مصر شيخًا للإقراء، وترك أثرًا علميًّا باقٍ لا يزال يُتلى في محراب كل قارئ برواية ورش عن نافع.
سيرة الإمام ورش: مولده ونشأته وسبب لقبه.
هو الإمام المقرئ الجليل عثمان بن سعيد بن عبد الله، الشهير بـ ورش، أحد أعلام القراءات القرآنية، وراوي قراءة الإمام نافع المدني.
وُلد بمصر سنة 110 هـ، ونشأ نشأة متواضعة، حيث عمل في شبابه ببيع رؤوس الذبائح، مهنة بسيطة لم تحجب عنه نور الطموح ولا شغف العلم.
امتاز ورش ببياض لونه، وشعره الأشقر، وعينيه.
الزرقاوين، غير أن جمال هيئته لم يكن بأبلغ من جمال صوته؛ إذ رزقه الله صوتًا شجيًّا عذبًا، يأسر القلوب قبل الأسماع.
ومنذ نعومة أظفاره، انصرف بقلبه وعقله إلى القرآن الكريم وعلوم العربية، حتى برع فيهما وأتقنهما إتقان المتمكنين.
رحلته إلى المدينة وتلقيه القراءة عن الإمام نافع.
في سنة 155 هـ، شدّ الإمام ورش الرحال إلى مدينة رسول الله ﷺ، قاصدًا الإمام نافع بن أبي نعيم المدني، شيخ القراء في عصره.
وهناك، أظهر ورش نبوغًا لافتًا، وصوتًا فريدًا، حتى إن الإمام نافع – وكان لا يُجيز لطلابه عرض أكثر من عشر آيات – خصّه بعنايةٍ خاصة.
وقد تنازل طلاب نافع عن أدوارهم لورش، افتتانًا بعذوبة صوته وحسن أدائه، فختم عليه القرآن كاملًا في سبعة أيام فقط، ثم واصل العرض حتى ختم عليه أربع ختمات في شهر واحد، وهو أمر نادر في تاريخ الإقراء.
ومن شدة بياضه، لقّبه الإمام نافع بـ «ورش»، وهو لقب لازمه طوال حياته، وكان يعتز به قائلًا: «أستاذي سماني به».
" عودته إلى مصر وريادته للإقراء*.
عاد الإمام ورش إلى مصر، وقد بلغ شأوًا عظيمًا في علم القراءات، فتصدّر للإقراء في جامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر، وأجمع أهل العلم على إمامته وتقدّمه، حتى صار شيخ الإقراء في الديار المصرية قاطبة.
وكان ورش ثقةً ثبتًا، حجةً في القراءة، وأتقن الناس لرواية نافع، مع امتلاكه اختياراتٍ دقيقة في بعض أوجه القراءة، خالف فيها شيخه، لكنها كانت مبنية على تحقيق علمي وإسناد صحيح، كما قرّر الإمام ابن الجزري.
تخرّج على يدي الإمام ورش عدد كبير من الأئمة والقراء، الذين حملوا علمه ونشروا روايته في الأمصار، ومن أشهرهم:
أحمد بن صالح، داود بن أبي طيبة، أبو الربيع المهري، عامر الجرشي، عبد الصمد بن القاسم، محمد المكي، يونس بن عبد الأعلى، أبو يعقوب الأزرق – أشهر رواته –، أبو مسعود الأسود، وعمرو بن بشار.
وبجهود هؤلاء، انتشرت رواية ورش عن نافع، ولا سيما في مصر والمغرب والأندلس، لتصبح من أكثر الروايات تداولًا في العالم الإسلامي.
في سنة 197 هـ، توفي الإمام ورش عن عمر ناهز سبعة وثمانين عامًا، قضاها في خدمة القرآن الكريم تعليمًا وتلقينًا وضبطًا.
ودُفن في أرض مصر، لتبقى سيرته حيّة، وذكره خالدًا، يتردد اسمه مع كل تلاوة بروايته المباركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك