غزة – «القدس العربي»: بعد عامين انقطعت فيها صلاة التراويح في مساجد غزة، بسبب ظروف الحرب، تزدحم حاليا مساجد القطاع بالمصلين الذين عادوا إليها بعد الحرمان القاسي، لتثبت صفوف المصلين التي ملأت الساحات حول المساجد من كثرة العدد، مدى الاشتياق لمعايشة هذه الطقوس الروحانية، التي تمنعها عمليات القتل والقصف الإسرائيلية.
وتتزاحم صفوف المصلين بين جدران المساجد المصليات التي تعرضت لتدمير بليغ وجزئي، بعد أن جرى ترميمها على عجل خلال الفترة الماضية، لتحتضن من جديد زوارها، حيث لا تزال آثار الحرب ظاهرة على معظم أركان هذه المساجد، وعلى أنقاض أخرى دمرتها الغارات الإسرائيلية بالكامل، فترة الحرب الماضية، وفي مناطق النزوح الجديدة، حيث أقيمت مصليات في العراء، يفترش فيها السكان الأرض لأداء الصلوات.
في تلك الأماكن تشق أصوات المصلين سكون الليل، حين تتعالى أصوات تلاوة القرآن وقت الصلاة، وحين تتعالى دعوات المصلين، لتعود الروح من جديد إلى هذه البيوت، التي كانت هدفا فترة الحرب لصواريخ الطائرات الحربية.
يقول عبد الرحمن ياسين، وهو شاب يبلغ من العمر (27 عاما)، ويقطن وسط قطاع غزة، إنه لم يصدق أن هذا العام سيتمكن من أداء «صلاة التراويح»، دون أصوات القصف التي اعتاد عليها في موسمي رمضان الماضيين، فعلى عجل أسرع في الليلة الأولى للشهر الفضيل، إلى مسجد قريب من منطقة سكنه، للصلاة في الصفوف الأمامية، ليجد المئات من الجيران وآخرين يقطنون في مناطق أخرى مجاورة للمسجد، قد سبقوه إلى هناك.
ويشير هذا الشاب إلى أن هذا المسجد تعرض للتدمير الجزئي خلال الحرب، فدمر جزء من جدرانه وسقفه، لتتمكن اللجنة المشرفة عليه من إزالة الركام، ووضع قطعا من القماش والحصير المصنوع من البلاستيك، بدلا من غطاء الأرض «السجاد» الذي تمزق واحترق جزء كبير منه، ويضيف «جرى إضاءة المسجد بأضواء خافتة لا تشبه تلك التي دمرت بسبب القصف، هذا ما توفر حاليا»، لكنه قال «المهم عدنا إلى صلاة التراويح وعايشنا أجواء رمضان».
وخلال فترة التهدئة الماضية، شارك الأهالي المجاورون للمساجد المدمرة، في أعمال تطوعية، جرى خلالها تنظيف المساجد التي تعرضت للتدمير الجزئي، وإزالة الركام من أجزاء كبيرة من تلك التي تعرضت للتدمير الكامل، لتصبح صالحة لأداء الصلوات، بعد أن جرى تزويدها بالقليل من الاضاءات ومكبرات الصوت، فيما وضعت بدلا من الجدران والقباء المدمرة قطع بلاستيكية على شكل كخيام كبيرة، لتصبح المساجد الجديدة لأداء الصلوات.
ولم يكن مشهد الفرحة بقدوم الشهر، والعودة إلى أداء صلاة التراويح مغايرا في مناطق النزوح غرب مدينة خان يونس، فهناك تجد عدة ساحات صغيرة بين معسكرات النازحين المقامة من الخيام، اختيرت لأداء هذه الصلاة.
من بين من أموا تلك المصليات كان محمد أبو صلاح، هذا الرجل الذي أقام في رمضان الماضي في إحدى المدارس، التي تحولت إلى «مركز إيواء»، وقد تذكر خلال حديثه لـ «القدس العربي» أحد صلوات التراويح التي اعتاد سكان المركز على أدائها في جانب من ساحة المدرسة، حين وقع قصف إسرائيلي لأحد الأماكن المجاورة، فاضطر المصلون لقطع صلاتهم، بعد أن سقطت الشظايا على مقربة منهم، ويضيف هذا الرجل «في كل عام أحرص على التراويح في المسجد، لكن ظروف الحرب كان لها شأن آخر، حرمتنا من الصلاة، وحتى حين كنا نصليها بشكل منفرد في مناطق النزوح، كنا نلتفت في صلاتها لكل صوت انفجار أو قصف».
وفي ذلك المكان حضر رجال وشيوخ طاعنون في السن وأطفال، وقد حمل كل منهم سجادة الصلاة، لتضع جنبا إلى جانب في صفوف متراصة، أقاموا فيها صلاة العشاء ومن بعدها التراويح، وكان المكان مضاء بشكل خافت، وقال رجل مسن تواجد في المكان لـ «القدس العربي»: «هذه المشاهد تذكرني بحياتنا قبل أكثر من 50 سنة»، وأضاف «كانت المساجد مضاءة بالفوانيس، والأرض مفروشة حصير»، وتابع «مش مهم شكل المسجد المهم الصلاة».
وسمعت من جديد أصوات الآذان والقرآن تصدح في مساجد مدينة غزة، ومنها أكبر وأقدم المساجد في قطاع غزة «المسجد العمري» الذي تعرض لتدمير بليغ جدا، حيث تعمدت إسرائيل تدمير أجزاء كبيرة ومهمة من المسجد التاريخي باستهدافها بالطيران الحربي، وفي هذا المسجد جرى سد الجدران المدمرة بقطع من البلاستيك، جرى تثبيتها بالأخشاب، وهذا المشهد الذي غير شكل هذا المسجد الأثري، أبكى العديد من المصلين في اليوم الأول من صلاة التراويح، كان من بينهم رجل مسن يكنى بـ «أبو أحمد» ويقطن في الحارة القديمة من مدينة غزة المجاورة للمسجد، والذي قال إنه حرص على صلوات التراويح في المسجد العمري منذ أكثر من 40 عاما، قبل أن تحرمه منها الحرب في العامين الماضيين، وقد بدأ تأثر الرجل المسن كثيرا خلال حديثه لـ «القدس العربي» عن حال المسجد بعد التدمير البليغ الذي أصابه.
وازدحمت مساجد المدينة في الجهة الغربية أيضا بالمصلين، ففي تلك المناطق يقيم سكان تلك الأحياء، وسكان الأحياء الشرقية للمدينة وآخرين من مناطق شمال قطاع غزة، الذين أجبروا على النزوح القسري، لوقوع مناطق سكنهم ضمن «الخط الأصفر».
لكن هذه المنطقة فقدت خلال الحرب «مسجد الميناء»، وهو واحد من أشهر مساجدها، إذ لم تتبق منه سوى قبة طالها الدمار الكبير، تعتلي كومة من أعمدة وجدران المسجد، فخلال عملية برية للجيش الإسرائيلي في المنطقة الغربية من مدينة غزة، جرى تدمير هذا المسجد الكبير، الذي شيد قبل سنوات، على مدخل مرفأ الصيادين، وأصبح بقبائه ومآذنه المتعددة مزارا يحرص جميع سكان غزة على الصلاة فيه.
وقد تحولت ساحة المسجد الخلفية التي كانت مزروعة بالعشب الأخضر قبل الحرب، إلى مكان تتكدس فيه الأسر النازحة، ويقول محمد حسونة وهو أحد سكان الذين يقطنون في منطقة قريبة من هذا المسجد «كانت أجواء رمضان والتراويح والقيام لها طعم خاص»، ويضيف: «الآن أصبح كل شيء دمارا»، وفي مسجد صغير بجوار منزله يؤدي هذا الرجل حاليا صلاة التراويح، بعد أن كان يؤديها في ذلك المسجد الكبير.
ويشير إلى أن الحرب لم تتوقف رغم التهدئة، لكنه بات كغيره يستطيع الوصول إلى المساجد التي فتحت أبوابها من جديد، وأداء الصلوات، وقد تذكر الأحوال فترة الحرب، حين كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يضرب بقوة مناطق القطاع، ويرتقي يوميا مئات الضحايا.
وخلال فترة الحرب أغلقت معظم المساجد أبوابها، ولم تقم فيها صلوات التراويح، بسبب الأوضاع واستمرار الهجمات، وفي الرمضان الأول خلال فترة الحرب، أمضى سكان غزة جميع أيامه تحت وطأة القتل والتدمير، لكنهم عايشوا بعض الأيام في ظلال تهدئة هشة في الرمضان الثاني، قامت إسرائيل بإنهائها وأعادت الحرب إلى شكل أعنف مما كانت عليه في آذار/مارس من العام الماضي.
وتعمدت إسرائيل وفقا لإحصائية رسمية أصدرها المكتب الإعلامي الحكومي، أشارت إلى أن الاحتلال دمر 835 مسجدا بشكل كامل، فيما تعرضت عشرات المساجد الأخرى لأضرار جزئية وبليغة.
كما غيبت الحرب الكثير من أئمة المساجد الذين قضوا فترة العدوان على غزة، في غارات إسرائيلية، ومن بينهم أمام مسجد الميناء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك