ربما لا يذكر التاريخ العلماء والزاهدين الذين وجدوا في العزلة والخلوة ملاذاً، إلا وكان سلطان العاشقين أبو حفص، شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي، الشهير بابن الفارض، «576 - 632 ه»، ضمن هؤلاء بل ربما على رأسهم، إذ قضى في معتزله قرابة 15 عاماً في عالم خاص به أسس أركانه بالمحبة والعشق والعبادة والزهد والتقرب إلى رب العالمين، وقبل أن يتوجه نحو خلوته عرج على مكة، حيث قضى فريضة الحج، ثم توجه نحو واد بعيد عن الأعين، يسمى «وادي المستضعفين» في جبل المقطم بمصر، ولعل للاسم نفسه دلالاته الروحية والوجدانية.
صقلت العزلة ابن الفارض، وجعلته متفرغاً يتقرب إلى ربه لينال المقامات العالية في مدارج العبادة والعمل الصالح واقفاً على باب الرجاء يتلمس المدد والفيوض والأنوار والحقائق والمعارف أن تتنزل عليه في وحدته تلك، وكانت النجوى وسيلته والتضرع سبيله، ووسيلته في ذلك هي الشعر، حيث حوّل عوالم تلك العزلة وحقائقها ومعارفها إلى قصائد خلدت بين الناس ورددتها الأجيال المتعاقبة من أهل الطريق والمؤمنين جميعاً.
تسامح.
اشتهر ابن الفارض بين العلماء وسائر الناس في عصره بكونه رجلاً تقياً صالحاً، ولم يكن متعصباً لمذهبه أو آرائه، اشتهر عنه التسامح، مبتعداً عن تلك المجادلات التي قوامها التعصب والإقصاء والانتصار للذات، ولعل ما أعان ابن الفارض على تلك القدرة من التصالح مع الآخرين عزمه الأكيد على أن يسير في دروب التقوى والصلاح، فكان التصوف بالنسبة له وجهة وفلسفة حيث التقى ذلك الطريق مع تصوراته وأفكاره، فكان أن انصرف نحو الانتماء إلى ما اختار، فهذب نفسه وسلوكه وعمل على أن يطابق قوله عمله، فكان كثير الصيام، بل كان يقضي أياماً من حياته بلا ماء ولا طعام، ولا نوم، حتى وصل عدد تلك الأيام التي قضاها على تلك الحالة أربعين يوماً سميت بالأربعينيات.
ولد ابن الفارض في القاهرة، وتلقى في مصر علومه، وكان للبيت الذي ترعرع فيه دور في تنشئته تلك، إذ نشأ في ظل أسرة كريمة تصون العلم بالعمل، وذلك الأمر شجعه كثيرا على المسارعة في طلب العلم وحب المعارف.
أسس ابن الفارض لنفسه طريقاً خاصاً به داخل منظومة التصوف على المستويين الوجداني والفكري، فقد كان يطلب من الناس أن يأخذوا منه أسرار المحبة الروحية، ويرى أنه بلغ فيها غايات كبيرة، فعرف بالكلمة الرقيقة وتخير الألفاظ وتوظيفها بطريقة تخدم منهجه الشعري، خاصة أنه تفرغ بشكل كامل لنظم الشعر الذي كان بمثابة حالة وجدانية متألقة في عالم المحبة الخالصة، فكان من أكثر أهل التصوف إنتاجاً للشعر خاصة في ما يتعلق بأدب المناجاة والشكوى والتقرب إلى الله تعالى.
أحب الناس شعر ابن الفارض، وصاروا يقبلون عليه ولا يزالون حتى يومنا، بل إن الكثير من المؤرخين والكتاب والنقاد والأدباء، قديماً وحديثاً، تناولوا تلك التجربة الشعرية الفريدة، وتعمقوا فيها لكونها كانت تعبر عن حالة خاصة من الوهج الشعري الروحي، وعلى الرغم من أن قصائد ابن الفارض كانت تعبر عن حالة خالصة من المحبة، إلا أنها تضمنت رؤى فلسفية في تأمل الوجود، وربما ذلك ما دفع الشاعر والكاتب جبران خليل جبران إلى وصف ابن الفارض بالقول: «هو كاهن في هيكل الفكر المطلق، أمير في دولة الخيال الواسع، قائد في جيش المتصوفة العظيم».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك