تشهد وسائل الإعلام الإسرائيلية في الأيام الأخيرة تصاعدا ملحوظا في تأكيداتها على أن المواجهة العسكرية التي تجهز لها أمريكا وإسرائيل ضد إيران باتت وشيكة؛ وبعد أن رجحت معظم منصات الأخبار ومواقع المحللين في الأسابيع الأخيرة عزم الأطراف على استنفاد خيار المفاوضات، امتلأت الصحف بتعليمات طوارئ الحرب الموجهة للمواطنين والتأكيد على قرب وقوعها.
لا يستطيع أحد أن يجزم بشكل قاطع، إن كانت ستندلع الحرب أم لا؛ بيد أن الرهان على رجاحة منطق الرئيس دونالد ترامب، يبقى مغامرة خاسرة على الأغلب، والاطمئنان إلى رغبته في تجنيب دول المنطقة وشعوبها نتائج حرب من المتوقع أن تكون مدمرة ومريعة، قد يُستحب من باب التمني أو التوهم وحسب.
أما إذا أضفنا إلى رغبة ترامب تصفية حساباته مع النظام الإيراني، دوافع بنيامين نتنياهو الخاصة، ومعه دوافع قيادات المؤسسة العسكرية الأمنية الإسرائيلية، تصبح احتمالات وقوع المواجهة كبيرة.
ليس سرّا أن نتنياهو يدفع الأمريكيين لإشعال الجبهة الإيرانية؛ ولا تعنيه تبعاتها المدمرة.
فهو يأمل أنها ستعطيه فرصة لإلغاء موعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة، والبقاء رئيسا للحكومة مع كنيست موالية ومنظومة حكم كاملة تأتمر لإرادته.
قد نكون، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، من أكثر المجتمعات غير المعنية باندلاع هذه الحرب، ليس درءا لما قد تسببه من دمار وقتل أرواح بريئة وحسب، بل لأنها ستستغل من قبل الحكومة اليمينية المتطرفة لتضييق الخناق علينا، وتعطيل إجراء الانتخابات، وتقويض فرصة ثمينة لنا لاستنهاض قوة مجتمعنا وتنظيمه، كي يستعيد مكانته الاجتماعية وقدرته السياسية الحقيقية في الدفاع عن مصالحه، ومواجهة المخاطر والأزمات التي تعصف به.
لندع احتمالات نشوب الحرب جانبا، لأننا لا نملك أية قوة للتأثير على حدوثها أو منعها؛ ولتفترض الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية أن الانتخابات ستجري كما مقرر لها، وليسعوا منذ هذه اللحظة لتذليل العقبات التي تقف في وجه تشكيل القائمة المشتركة أو التشويش على عملية بنائها، أو قد تؤدي إلى انخفاض نسبة التصويت بين المواطنين العرب.
لقد كان توقيع قادة الأحزاب الأربعة في سخنين على التزامهم بتشكيل القائمة المشتركة، بمثابة الخطوة الإشهارية الأولى على طريق بنائها؛ لكننا نعرف أن غضب الناس، الذين شاركوا في مظاهرة سخنين، ضد العنف والقتل المستشريين داخل مجتمعنا، وضغطهم، هي التي أجبرت الرؤساء على التوقيع في مشهد مفاجئ، اختتمت به تداعيات تلك المظاهرة.
وقد يكون أدق لو قلنا، إن منصور عباس، وحركته تحديدا، لم يكونوا مهيّئين للتوقيع على تشكيل «قائمة مشتركة معوّمة»، والالتزام بوحدة «بيضاء عرجاء» أنضجتها ظروف استثنائية عابرة.
وبناء على تجارب الماضي، وتعقبا لتصريحات النائب عباس في الآونة الأخيرة، نستطيع أن نتكهن بأن تشكيل القائمة المشتركة، والتفاهم على برنامج عمل سياسي أساسي يضمن لحمة مركباتها، ويستغل كونها القوة الثالثة داخل الكنيست، ستكون مهمة عسيرة أو ربما مستحيلة.
أتمنى لو أكون مخطئا، فالغد لناظره قريب.
إلى جانب العمل على تدبير مطامع كل حزب ومطالبه، التي سيحاول مفاوضوه ضمانها أثناء تشكيل القائمة، يتوجب على جميع قيادات تلك الأحزاب الاتفاق على بناء خطاب في مواجهة الجهات التي تطالب بمقاطعة الانتخابات، وهي، كما نعرف، مختلفة الدوافع والمبررات.
فمواجهة أتباع الحركة الإسلامية الشمالية، التي تدعو إلى مقاطعة الانتخابات لأسباب عقائدية شرعية، تتطلب تجنيد حجج مختلفة عن تلك التي يجب أن تواجه بها قطاعات وشرائح واسعة داخل مجتمعنا، قررت لأسباب مختلفة، العزوف عن المشاركة في الانتخابات كخطوة احتجاجية، أو كتعبير عن يأسها وفقدان ثقتها بالمشهد السياسي المأزوم.
أمّا مخاطبة المطالبين بمقاطعة «البرلمان الصهيوني» لأسباب قومية أيديولوجية فتحتاج إلى خطاب مختلف وحجج سياسية تكشف خطورة المقاطعة في هذه المعركة.
لا أبالغ إن قلت، إن نتائج الانتخابات المقبلة ستؤثر على مكانة المواطنين العرب في الدولة وستحسم شكل علاقاتهم مع مؤسساتها وحدود مواطنتهم، وما تتيحه لهم من حقوق وما تمليه من واجبات.
يتوجب على كل من يؤمن بهذا التقييم، أن يعمل لإسناد القائمة بأقوى وأمتن شراكة سياسية، وأن يرفدها بمصادر قوة جديدة من شرائح كانت مستبعدة مثل، إشراك شخصيات اعتبارية ذات رصيد اجتماعي مشهود وقدرة على القيادة والمواجهة والتأثير، وإشراك المرأة ودمجها في عمليات اتخاذ القرار.
نتنياهو يدفع الأمريكيين لإشعال الجبهة الإيرانية؛ ويأمل في أنها ستعطيه فرصة لإلغاء موعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة، والبقاء رئيسا للحكومة.
لفتت انتباهي رسالة وقعت عليها خمسون ناشطة وقيادية عربية، يطالبن فيها بتخصيص 50% من أول عشرة مقاعد في القائمة المشتركة للنساء.
وقد جاء في الرسالة: «في ظل الجهود المبذولة لإعادة توحيد الأحزاب العربية والنقاشات الاستراتيجية الجارية، استعدادا للانتخابات القادمة» رأت الموقعات «إن غياب النساء ليس مجرد خلل قيمي، بل إخفاق سياسي يضعف القائمة ويقوّض ثقة الجمهور».
وقد طالبت الموقعات بضرورة إجراء تغيير بنيوي، و»بشراكة دائمة وجوهرية للنساء في كل منتدى استراتيجي وإطار تنسيق سياسي؛ وتخصيص نصف المقاعد العشرة الأولى في القائمة للنساء»؛ وأكدن «أن هذه المطالب ليست نسوية وحسب، بل هي لصالح المجتمع العربي بأسره، وشرط لبناء قيادة جريئة متقدمة وملائمة للمستقبل»، خاصة بعد أن شهدت الكنيست تراجعا في تمثيل النساء العربيات بينما يبلغ عدد النساء العضوات في المجالس البلدية 24 امرأة فقط، علما أنه «لم تتولَّ أي امرأة عربية حتى اليوم رئاسة سلطة محلية».
هكذا كتبوا وأخطأوا في نشر هذه المعلومة؛ ففي قرية كفرياسيف الجليلية، وهي مسقط رأسي، توّلت السيدة الراحلة فيوليت خوري، رئاسة مجلس القرية المحلي العريق في عام 1972 لمدة عامين، وكانت فعلا السيدة الأولى المنتخبة التي تتولى هذا المنصب في المنطقة قاطبة.
أتمنى على رؤساء الأحزاب الأربعة أن يتعاطوا مع مضامين الرسالة ومعانيها وأن يجدوا الوسائل للقاء من كتبنها.
وإن كان الوقت لا يسعف لتلبية ما طالبن به فليُتفق على الأقل بضرورة متابعة هذه المسألة في جميع الأطر القيادية فورا بعد الانتخابات.
إن قضية مكانة المرأة في مجتمعاتنا لم تبدأ ولن تنتهي على أعتاب الكنيست المقبلة، وهي أعمق جذورا من مجرد البحث عن مناصفة في مقاعد القائمة المشتركة، أو في كل منتدى استراتيجي، رغم حقهن بالمطالبة بذلك.
قد يكون توجه السيدات لرؤساء الأحزاب في هذا الوقت تحديدا، من باب استغلال لظرف مؤات، وهو أسهل الطرق لكنه ليس أصوبها.
فقصة مكانة المرأة هي وجع مزمن في مجتمعنا ومرض قاتل في بعض حالاته؛ وأنا على قناعة بأن السيدات الموقعات يعينها كما نعيها نحن أيضا.
تبدأ الحكاية في البيوت، عندما تفرح العائلات لولادة الذكر وتندب حظ الأنثيين، وحين تضاء شموع الفخر وتستعرض «رجولات» أطفالنا على الملأ، بينما لا يتوقف كيل التنبيهات على البنت لضرورة احتشامها وإرشادها لأصول العفة، وكبت مشاعرها، وفطم قلبها عن الحب، وتعنيفها إذا ما غالبتها الطفولة، وقفزت بشقاوة ولعبت دون أن تحافظ على «التصاق الساق بالساق».
القصة تبدأ عندما يكنّ في عمر براعم اللوز، فكيف أن تكعبت الصدور وتكوّرت النهود، أو أن ماست قدود وفاحت بالعطر أجياد.
إنها نكبة مجتمع ما زالت قطاعات واسعه منه تعتبر البنت علة، وزواجها نجاة وسترة.
وأن لا مكان لها من أصله في صفوف الرجال، حتى إذا «رفعت سترها» دفاعا عن شرف الوطن، فعذر الحسناوات كان غياب/هروب الرجال.
تولد مأساة المرأة في البيت أولا وفي أحضان العائلة ثم تكبر في الحارة والمدرسة وتوطد في الكنيسة وفي المسجد، والبقية مرويات وثقافة موروثة وتربية.
أما اليوم فنحن نقف أمام معركة سياسية حاسمة وفيها ستكون القائمة معهن أقوى، لأن الحياة أصلا معهن أفضل وأجمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك