حتى الآن لم يعلن بشكل رسمي عن تأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين مصر والمغرب والذي كان من المتوقع عقده في شهر فبراير الجاري.
بعض وسائل الإعلام المصرية تقول إن القرار اتخذ من مصر، وأن وزير الخارجية المصرية أبلغ نظيره المغربي بقرار التأجيل دون بلاغ رسمي في الموضوع يبين الأسباب المباشرة لهذا القرار.
في الظاهر، يبدو الأمر أشبه بإعادة التوتر الذي شهدته السنة الماضية، والذي كانت خلفيته تجارية بحتة، تتعلق بتطبيق اتفاقية أغادير، إذ يتهم كل طرف الآخر بعدم احترام مقتضيات الاتفاق، وبالتضييق على دخول الواردات، فالمغرب يضيق على بعض المنتجات المصرية، ويتهم السلطات المصرية بالتزييف وإغراق السوق المغربية بمنتجات غير محلية (منتجات صينية الصنع) بما يخالف مقتضيات الاتفاقية، بينما تفرض القاهرة قيودا على السيارات المغربية، فتظل منتجات المغرب محتجزة لدى الجمارك المصرية لأشهر دون أسباب واضحة، وهو ما تسبب في فقدان التوازن التجاري بين البلدين كما هو مسجل في بيانات البلدين سنة 2024، إذ سجل نمو الواردات المصرية بنسبة تقرب من 23 في المائة مقابل تراجع الصادرات المغربية إلى 11 مليون درهم دولار بعد أن كانت في السنة الماضية 17 مليون دولار.
في العلاقات المغربية المصرية، لم يكن التوتر ذو الخلفية التجارية يذهب لمدى بعيد، فقد كان دائما يطوق بلقاءات تقنية، أو توافقات دبلوماسية، تنهي الخلاف، وتقنن ضوابط التعامل في القضايا الإشكالية والفنية المرتبطة بتطبيق اتفاقية أغادير، لكن يبدو أن التوتر التجاري الذي يعيشه البلدان اليوم، هو ليس أكثر من تجل وانعكاس لخلافات عميقة في السياسة والتموقع الإقليمي، وفقدان نقطة الوصل بين وجهات نظر البلدين على مستوى بعض القضايا الإقليمية.
ما يوضح ذلك، أن مصر في عهد عبد الفتاح السيسي، غادرت بشكل كلي منطقة الوضوح الاستراتيجي في قضية الصحراء المغربية، واختارت الغموض والبقاء في المنطقة الرمادية، مما حدا بالمغرب إلى توسيع علاقاته مع إثيوبيا، والمضي بها إلى أبعاد عسكرية ودفاعية، مما شكل مصدر إزعاج كبير للقاهرة.
في الواقع، ثمة أكثر من خلاف إقليمي بين البلدين يفسر التوتر الحاصل على المستوى التجاري، فقد تباينت وجهات نظر البلدين على مستوى الملف الليبي، فانقسم تدبير الملف بين البلدين على قسمين، الترتيب السياسي والمؤسساتي، والذي تولته حوارات الأطراف الليبية في المغرب في كل من الصخيرات وبوزنيقة، والترتيب الأمني والعسكري والذي كان التفاوض حوله يجري في القاهرة.
لا الخلاف التجاري بكل أبعاده الفنية التي تفجرت السنة الماضية، ولا الخلاف حول الملف الليبي، يبرران تفجر التوتر من جديد بين البلدين.
لكن هذا الخلاف هو الآخر ليس جديدا، فلم يمنع البلدين من تطويق الأزمة الصامتة ومحاولة البحث عن خيارات لحلها، واعتبر التنافس على الملف الليبي تنافس تنوع وليس تنافس تضاد، بحكم أن المغرب لم يكن يمانع مخرجات الحوارات في القاهرة، ولم تكن القاهرة في الظن الأرجح تنزعج من مخرجات الصخيرات وبوزنيقة، بحكم أن المغرب لا تربطه حدود مع ليبيا، ومن ثمة، تخف التحديات الأمنية بالنسبة إليه مقارنة مع مصر، وأيضا بحكم أن مقاربة المغرب، كانت تميل إلى تيسير الحوار بين الأطراف لحل الأزمة الليبية أكثر منه ممارسة الوساطة بينها، بخلاف مصر فإنها كانت تنظر لحل الأزمة الليبية من منظار أمنها القومي، بينما لم يكن هم المغرب أكثر من أن تتعزز علاقاته بليبيا وتخرج طرابلس عن الأدوار التقليدية التي كانت تقوم بها ضدا على مصالح المغرب الإقليمية.
التقدير، أنه لا الخلاف التجاري بكل أبعاده الفنية التي تفجرت السنة الماضية، ولا الخلاف حول الملف الليبي، يبرران تفجر التوتر من جديد بين البلدين، وتأجيل أو إلغاء انعقاد اللجنة العليا المغربية المصرية التي كانت متوقعة الشهر الجاري، والأقرب إلى التفسير هو حيثيات آنية حصلت خلال الأيام القليلة الماضية، وكان لها تأثير مباشر على العلاقات بين البلدين.
من ذلك الطريقة التي رد بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على تصريحات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن مساعدة مصر للجزائر في حرب الرمال سنة 1963، والتي اعتبرها المغرب مؤشرا على تحول في الموقف المصري، تأكد من خلاله على ما كان يعتقد أنه مجرد سيناريو محتمل لتنسيق مصري جزائري ظهرت بعض صوره في كأس إفريقيا للأمم، إذ يعتقد المغرب، أن تصرفات مصر فيها، لم تكن مبررة، وأنها كانت تخدم في المحصلة إفشال محاولات المغرب لهذه المحطة الرياضية، وتحويل الفشل إلى حملة إعلامية تضعف حظوظ الرباط في احتضان كأس العالم أو على الأقل تقليص دوره مقارنة بشريكيه إسبانيا والبرتغال.
الرئيس المصري ثمن تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، شهورا فقط على تسريبات تضمنت تصريحات للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، يؤكد فيها خذلان الجزائر لمصر وعدم مساعدتها بأي شيء في الحرب، ورفضها الاستجابة لطلبها بتمكين القاهرة من طائرات حربية.
البعض اعتبر هذا التناقض بمثابة خلافات داخل أجهزة استخباراتية مصرية، يرى بعضها أن التموقع مع الجزائر لا يخدم المصالح القومية المصرية، وأن الأنسب هو الوضوح في الموقف بخصوص قضية الصحراء، وهو ما يتماشى مع تسريبات تصريحات الراحل جمال عبد الناصر، ويرى بعضها الآخر، أن العودة للعب دور قوي مؤثر في إفريقيا يتطلب المحافظة على واقع المحاور التقليدية التي أثمرت دور مصر الإفريقي الإشعاعي، وأن ذلك يتطلب علاقة قوية بالجزائر تضعف قوة المغرب وتمدده في إفريقيا، وهذا الذي يتناسب مع تثمين تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
المغرب رأى في دور مصر في نهائيات كأس إفريقيا، وتصريحات عبد الفتاح السيسي وتنسيقه مع الجزائر، أنها اختارت الابتعاد عن موقفها الإيجابي تجاه المغرب، وهذا ما يفسر دبلوماسية الرباط، إذ عقد المغرب مع إثيوبيا قبل شهر، وتحديدا في الثالث عشر والرابع عشر من يناير الماضي الاجتماع الأول للجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية، وحرص وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة على اللقاء بنظيره الإثيوبي جيديون تيموثيوس أديس أبيبا الأسبوع الماضي، وذلك على هامش الدورة العادية الثامنة والأربعين للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي.
من الواضح جدا أن التحركات الدبلوماسية المغربية، والتي وصلت حد تطوير العلاقات مع إثيوبيا لتصل إلى التعاون العسكري، هو مرتبط أساسا بتحول الموقف المصري، وأن ما يجري الحديث عنه من قصر الخلاف بين القاهرة والرباط في الأبعاد التجارية، هو مجرد تغطية عن واقع خلاف عميق، ببعد سياسي وإقليمي، ساهمت مصر في تعميقه من خلال تحول موقفها، لجهة سياسة الغموض في العلاقة مع المغرب، وبروز مؤشرات قرأها المغرب على أساس أنها نوع من الاصطفاف الخفي ضد مصالحه العليا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك