يعيد الإعلام العربي، بعد سقوط نظام بشار الأسد، فتح نقاش المواقف السياسية للفنانين السوريين؛ فسارعت الفضائيات العربية إلى استضافة ممثلين سوريين، لا سيما منهم من سبق والتقى برأس النظام السابق، أو ممن أعلنوا صراحة مواقفهم من الحراك في سورية وما تلاه من حرب أتت على البلاد.
أثارت تصريحات بعض الفنانين نقاشات على الفضاءات الافتراضية؛ فاعتُبر بعضها استعلاءً على جراح السوريين، وقيل عن بعضها الآخر إنها مهادنة للسلطة الجديدة، فيما بدا جزء منها فجّاً في ترقيع المواقف السابقة، أو أقرب إلى طلب نوع من صكوك براءة.
لم تبدُ مقابلة بسام كوسا على قناة المشهد مع الإعلامي محمد قيس ضمن الأنماط السابقة، بقدر ما بدت استعادةً لسردية شريحة من السوريين اختاروا البقاء داخل البلاد خلال سنوات الحرب.
سردية تنطلق من تعقيدات التجربة اليومية، والخوف من المجهول، والعيش في مجتمع جرى ترويضه وعسكرته، وفرزه طبقياً وطائفياً.
يحتل كوسا، عبر أدواره التلفزيونية والسينمائية، مكانة راسخة في الذاكرة السورية، وفي ملامح الهوية التي أسهمت دراما التسعينيات والألفينات في رسمها.
تلك الدراما التي تحررت، ولو جزئياً، من التدجين البعثي، واتجهت نحو المجتمع لتنهل من قصصه وحكاياته.
ورغم أنها لم تكن تردد ما تمليه السلطة حرفياً، فإنها لم تكن بعيدة عن منظومة رقابية أحاطتها بحدود صارمة.
منذ الدقائق الأولى للمقابلة، انطلق كوسا من تصوّر يكاد يكون دفاعياً عن المهنة نفسها؛ فالفنان، في نظره، ليس ملكاً لذاته، بل هو كائن موضوع تحت مراقبة دائمة، تتنازعه توقعات الجمهور وتحدّ من حريته، قبل أي سلطة أخرى أحياناً.
من هذه الرقابة الاجتماعية، ومن العيون الفضولية التي تتبع تفاصيل حياة المشاهير، عالج كوسا مفهوم الحرية، مائلاً إلى تعميم فكرة القيد، كما لو أن الحرية، بمعناها الواسع، ليست سوى حلم مثالي بعيد المنال، وأن القمع ليس استثناءً مرتبطاً بالأنظمة الشمولية وحدها، بقدر ما هو بنية تتكرر بأشكال مختلفة في المجتمعات الحديثة.
غير أن هذا التعميم، على مقدار ما يحمله من الصواب والخطأ، يبدو أقرب إلى تسليم بالحدود التي ترسمها السلطات.
فـ" لا ديمقراطية في الديمقراطية"، على حد قوله، إذ يسمح الشكل الديمقراطي الحديث بالاحتجاج، من دون أن يضمن الإصغاء إلى مطالب المحتجين.
وإن كان العالم بأسره قمعياً، والديمقراطية الغربية ما هي إلا زيف، فإن التجربة السورية لها خصوصياتها في القمع السياسي وتطييف المجتمع، وهذا ما يقر به كوسا لاحقاً في المقابلة عينها حين ذكر أن النظام السابق، لم يكن طائفياً كما يشاع حالياً، وإنما استثماري، فقد استثمر الطائفة والدين والثقافة والاقتصاد وكل ما يمكن استثماره لخدمة مشاريعه وحساباته.
غير أن السجال تركز على المقاطع التي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ استعاد فيها بسام كوسا لقاءاته السابقة مع بشار الأسد، ولا سيما قوله إن الأخير كان يحترمه لأنه" لم يتجمّل أمامه".
أعادت هذه العبارة طرح السؤال القديم حول طبيعة العلاقة بين الفنان والسلطة، وحدود المسافة الممكنة بينهما.
يدافع كوسا، محقّاً، بأن أي دعوى كانت توجه إلى فنان سوري لزيارة القصر الرئاسي يصعب أن تجابه بالرفض، ولكنه مع ذلك لم يقل إن الخوف اضطره إلى لقاء الأسد، وإنما التقاه سعياً إلى إبقاء قناة الحوار مفتوحة مع السلطة، في حين أوضح أن بقاءه في سورية خلال العقد الماضي، ليس ترجمةً لموقف سياسي من السلطة نافياً حصوله على امتيازات، ومؤكداً أن علاقته بالأسد اقتصرت على لقاءات محدودة.
أثار حديثه عن تلقيه دعوات لمغادرة البلاد مقابل مكاسب مادية موجة من الانتقادات وموجة أخرى من تأييد، إذ قرأ فيه بعضهم تلميحاً يُدين، ولو ضمنياً، أولئك الذين اضطروا إلى الرحيل تحت وطأة الخوف أو العنف أو انسداد الأفق، تحديداً النخب الفكرية والشخصيات الفنية، وظلوا على احتكاك بالشأن السوري من دول المنفى واللجوء.
دافع كوسا عن حق الأفراد في المواطنة من دون أن ينصّب بعضهم أنفسهم قضاة على بعض، مشدداً على أن" الحق لا يحتكره طرف واحد"، وأن الصراع حين يتحول إلى مواجهة بين" حقّين" ينتهي غالباً إلى فجيعة، غير أن هذا المنطق التصالحي، على جاذبيته الأخلاقية، يصطدم بحساسية مجتمعات خارجة من العنف، ذات مظلوميات متناحرة.
أما إشارته إلى وجود" معارضة وطنية" فقد أعادت إلى الواجهة مصطلحاً لطالما أثار الاحتجاج؛ إذ رأت أطياف المعارضة السورية في هذا المصطلح نوعاً من اختلاق كتلة معارضة للنظام ترتبط به ضمناً، بل ذهب بعضهم إلى اعتباره معارضة مُروّضة لا تهدد بنية السلطة.
في المقابل، يجادل المدافعون عنه بأن العمل من الداخل لم يكن دائماً خياراً مريحاً، بل أحياناً الخيار الوحيد المتاح ضمن هوامش شديدة الضيق.
يكشف الترند الذي تلا مقابلة بسام كوسا حجم الاستقطاب الذي بات يحكم النقاش العام في سورية؛ فما أن يُطرح اسم حتى يُدفع إلى أحد خندقين متقابلين، في فضاءات افتراضية تميل إلى اختزال المواقف ضمن قوالب أخلاقية حادة، غدت معها هذه المنصات ساحات للتصفيق والإقصاء معاً.
الاستقطاب، في جوهره، ليس مجرد انقسام سياسي، بل حالة جماعية قوامها التخندق خلف ثنائيات حادة تحول الفضاء العام إلى ساحة محاكمات رقمية، تتقدم فيها ردات الفعل على التحليل البارد.
مساءلة النخب تبدو مشروعة، بل ضرورية في أي مرحلة انتقالية، غير أن الفارق كبير بين المساءلة والمطاردة الرمزية.
فالمجتمعات لا تُبنى على ثنائيات أخلاقية صارمة، وإنما على مؤسسات قادرة على التمييز بين المسؤوليات المباشرة والمواقف والآراء.
الفضاء الرقمي، الذي شكّل يوماً مساحة للتعبير لمن لا يملكون منابر رسمية، يغدو اليوم مرآة للانقسام الذي يشق المجتمع نفسه.
في هذا السياق، تضاف مقابلة كوسا إلى عشرات الترندات التي تكشف مدى التصدع في الشارع السوري، وكيف يمكن لهذا الانقسام أن يُستثمر ويُعاد إنتاجه داخل المجال الإعلامي والفضاء الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك