ومنذ اللحظة الأولى بدا لي أننا أمام موسم مفصلي، لن يُقاس بارتفاع نسب المشاهدة فقط، بل بنجاحه في إعادة تعريف مفهوم الإعلام ككل، واستعادة ثقة الجمهور وإشادته بالدراما التي تجسده.
خطة موسم صيغت بذكاء تخطيطي واضح، لا يخرج إلا من عقول قيادية جبارة، نجحت في إعادة ترتيب أولويات المشهد بما يرضي المشاهد ويلبي رغباته، فقدمت لنا نموذجًا لدراما عالية الاحتراف في الصورة والإخراج والإنتاج والحبكة الدرامية، إلى جانب باقة برامج تليفزيونية وأخبارية رمضانية مطوَّرة، واستثمار خاص مدروس في صناع المحتوى ومشاركتهم عبر منصات برامج الديجيتال.
ولكي أبلور المقال برؤية تحليلية، كان عليّ أن أبحث في سؤال: ترى على من ستراهن المتحدة وتقدمه في توقيت الذروة" لحظة أذان المغرب"، حيث المنافسة الشرسة أمام برامج المقالب والترفيه المعهودة؟الإجابة كانت لجوء المتحدة إلى رهان المحتوى، فكان" المحتوى أولًا"، الأمر الذي دفعها إلى توزيع أعمال في هذا الوقت الحساس، تنوع أبطالها بين نجوم جماهيريين ووجوه شابة حديثة، يقينًا بحقيقة مثبتة بأن النجاح الدرامي مرهون بقوة الحبكة لا بزهو الأسماء فقط.
فكان الدفع الأول مسلسل" فخر الدلتا" على قناة DMC، بطولة أحمد رمزي، الوجه الشاب الذي جاء ليخاطب قطاعًا كبيرًا من الشباب عبر قصة كفاح شاب لديه حلم بالعمل في مجال الدعاية والإعلانات، ليصطدم – ككثيرين – بواقع العاصمة المؤلم وتحدياتها القاسية.
محتوى درامي يحمل رسالة لجيل كامل: النجاح كفاح، وسبيل الوصول سعي وجهد مستمر، لا وساطة أو صدفة.
ثم الدفع الثاني، وفي نفس التوقيت، مسلسل «عين سحرية» على قناة ON، بطولة باسم سمرة وعمرو عبد الجليل، وتأليف المبدع هشام هلال، الذي قدم لنا طرحًا دراميًا بجرعة تشويق وغموض، بعيدًا – كعادته – عن إثارة أي شكل من أشكال العنف والفوضى.
أما الدفع الأكبر فجاء عبر مسلسل «على كلاي» بطولة أحمد العوضي، عمل تشويقي ممزوج بحبكة أكشن يتميز بها العوضي مؤخرًا، فلفت بذلك الانتباه وجذب حتى جمهور برامج الترفيه المعروضة في ذات التوقيت.
اللافت هنا أن دراما المتحدة هذا العام بدت وكأنها استجابة سريعة لمطلب جماهيري ونقاش مجتمعي أُثير بعد اتهامات حول مدى قدرة الدراما على تشكيل الوعي العام، وأنها أحد أسباب تفشي الجريمة وارتفاع أساليب العنف بين الشباب.
تؤكد المتحدة مجددًا أن الدراما لم تعد وسيلة للتسلية، بل أداة لمناقشة القضايا المختلفة وتوجيه الذوق العام، وبالفعل قدمت أعمال رمضانية تتناول قضايا مهمة، مع تسليط الضوء على بعض التشريعات والقوانين التي تحتاج إلى تطوير لتواكب المتغيرات العالمية، بالإضافة إلى تغطية موضوعات تهم المواطن بشكل عام، وتتناول القضية الفلسطينية.
وبالفعل جاء مسلسل «رجال الظل» ومسلسل «صحاب الأرض» نموذجين لدراما ذات بعد وطني، لدرجة أثارت جدلًا واسعًا في الإعلام العبري لما تضمنه الأخير من سرد ومعايشة درامية لوقائع المذابح والحرب الإسرائيلية على غزة.
نجاح كهذا لم يكن له أن يتحقق بميزانية ضخمة فقط، رغم أنها عنصر جوهري وحاسم في مثل تلك الأعمال، إلا أن نجاح المتحدة اللافت هذا العام – وسط ما تلاقيه من تحديات سياسية واقتصادية – يعود إلى عمل تراكمي وخطة طويلة سبق وصرّح مخلوف بأنها استغرقت عامًا كاملًا منذ رمضان الماضي، بجانب فطنة وحكمة إدارة تملك رؤية استراتيجية قادرة على إدارة الأزمات.
فلم يعد النظر إلى الشركة المتحدة باعتبارها شركة إنتاج إعلامي فحسب، بل فاعلًا رئيسيًا بيده إعادة تشكيل المشهد، يجمع بين القيادة والمهنية والتطوير المستمر والاستثمار الذكي في المواهب ووجوه الإعلام الرقمي" البلوجرز".
بهذه المعادلة نجحت المتحدة في أن تحظى برهان نجاح موسم رمضان 2026، من خلال دراما ذات هوية مصرية، وبرامج تليفزيونية، ومحتوى رقمي أكثر تفاعلًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك