في مدينة نورويتش، شرقي إنكلترا، تحوّل مشهد يومي مألوف إلى محطّ سجال محلي محتدم حول كيفية التعايش مع طيور الحمام المتكاثرة في سماء المدينة، في قضية تعكس نقاشاً عالمياً حول إدارة هذه الطيور بين الرفق بالحيوان ومتطلبات الصحة العامة.
وفي تقرير نشرته صحيفة ذا غارديان البريطانية، تتكشف تفاصيل هذا الصراع الذي يضع مجلس المدينة أمام معادلة معقّدة: الحد من أعداد الحمام من دون اللجوء إلى حلول قاسية أو شيطنته.
مع ساعات الصباح الأولى، تتجمّع مئات من طيور الحمام في حدائق النصب التذكاري قرب سوق نورويتش، حيث تسبق الطيور المتسوقين إلى المكان بانتظار الطعام.
وفقاً لـ" ذا غارديان"، المشهد يقسم السكان بين من يراه جمالاً حضرياً بريش لامع، ومن يصفه بـ" كابوس هيتشكوكي" بسبب الفضلات وخطف الطعام ومخاوف الأمراض.
في مقدمة المشهد الأول، مؤسسة مجموعة Peck Savers المعنية برفاه الطيور جيني كوبلاند، التي تطعم حمام نورويتش منذ نحو عشر سنوات.
تقول لـ" ذا غارديان" إن الوضع أصبح" قابلاً للاشتعال" بعدما ارتفع عدد الطيور إلى نحو 300 خلال عام واحد.
هذا التضخم فجّر شكاوى قدّمها متسوقون وتجار وسكان يرون أن الحمام يسيطر على أماكن الجلوس ويشوّه صورة السوق ويزيد أعباء النظافة.
وتصاعد السجال مع تناول وسائل إعلام بريطانية المشهد بوصفه" هيتشكوكيّاً".
طرح مجلس مدينة نورويتش سلسلة إجراءات للحد من الظاهرة، بينها تجربة إرسال صقر من نوع هاريس للتحليق فوق السوق لإخافة الحمام، إضافة إلى فكرة استخدام وسائل للحد من التكاثر عبر موانع حمل تُقدَّم للطيور.
لكن المقترح اصطدم بعقبة قانونية؛ إذ إن تقديم موانع حمل للطيور غير مرخّص في المملكة المتحدة، كما أُوقفت تجربة الصقر التي كان مخططاً لها أربعة أسابيع.
اتهمت المستشارة كارلي هاربر، المسؤولة عن المالية والمشاريع الكبرى في مجلس المدينة، بعض الأشخاص بتأجيج المشكلة عبر إلقاء" كميات هائلة من علف الطيور" لإنقاذ الحمام.
ورغم أن إطعام الطيور ليس مخالفاً للقانون، أشارت إلى أن المجلس يدرس مسارات قانونية للتعامل مع" القلة غير المسؤولة".
القضية ليست محلية فحسب؛ فمدن مثل روما والبندقية ونيويورك وسنغافورة ولندن تفرض قيوداً على إطعام الحمام في مناطق معينة.
وفي ساحة ترافالغار في لندن قد تصل الغرامة إلى 500 جنيه إسترليني.
كما فرضت مومباي في يوليو/ تموز الماضي حظراً شاملاً على إطعام الحمام في الأماكن العامة، ما أثار احتجاجات ومحاولات لتأسيس" حزب الحمام"، في حين حاول ناشطون إعادة تسويق الطيور بتسميتها" جِراء السماء".
يوضح عالم الأحياء التطوري ويل سميث، المتخصص في دراسة الحمام، أن الطيور قد تحمل طفيليات وبكتيريا ربما تكون مؤذية للبشر، خصوصاً مع الاكتظاظ، لكن الخطر غالباً ما يُضخّم، ويشير، في حديث للصحيفة البريطانية، إلى أن انتقال الأمراض يحصل عادة عبر تماس قريب مع الفضلات، وأن العدوى في المملكة المتحدة ليست شائعة، مع ارتفاع المخاطر لدى أصحاب المناعة الضعيفة.
يلفت سميث إلى أمراض تنفسية محتملة مرتبطة بغبار أماكن مبيت الحمام، لكنه يؤكد أن معظم الناس لن يختبروا ذلك في حياتهم اليومية.
وفي ما يخص أنفلونزا الطيور، يرى سميث أن الحمام أقل خطراً من البط والإوز والبجع بسبب مقاومته الأقوى للعدوى، قائلاً إن الفيروس قد يتطور لكن" في الوقت الحالي لا يُصاب الحمام به فعلياً".
يؤكد سميث أن المخاوف من تضخم الأعداد مبررة، إذ يمكن لزوج حمام واحد إنتاج ما يصل إلى 12 فرخاً سنوياً.
ورغم قدرة الطيور على الطيران لمسافات طويلة، فإنها تميل إلى البقاء ضمن نطاق محدود من الشوارع، ويذكّر بأن الحمام الحضري هو سليل الحمام الصخري الذي دجّنه البشر قبل قرون، ثم عاد إلى البرية ليصبح معتمداً عليهم بالكامل، ويقول: " لن تكون موجودة لولانا، وهي تعتمد علينا بالكامل".
يرى سميث أن الاعتقاد بإمكانية دفع الأسراب" للذهاب إلى البرية" غير واقعي، لأن" البرية بالنسبة لحمامة حضرية هي غابة من الإسمنت.
وغذاؤها الطبيعي هو ماكدونالدز"، كما أن نقل الطيور أو منعها في منطقة ما غالباً ما ينقل المشكلة إلى مكان آخر، ويُعتقد أن أعمال تطوير في مجمع تجاري قريب دفعت سرب نورويتش للانتقال إلى السوق.
تجادل جيني كوبلاند بأن إطعام الحمام تقليد مدني ضروري لرفاه الحيوان، موضحة أن متطوعين يزيلون خيوطاً وبقايا عالقة بأقدام الطيور ويوفرون رعاية بيطرية للمريضة منها، وتقول إن غيابهم سيؤدي إلى" مئات من الحمام الميت أو المحتضر في الشوارع.
وهذا ما يدفع إليه مجلس مدينة نورويتش".
يشير سميث إلى أن أكثر الطرق أخلاقية لتقليل الأعداد هي خفض كميات الطعام تدريجياً على مدى أشهر لإبطاء التكاثر، لكنه يقر بصعوبة التنفيذ وغياب الإرادة السياسية أحياناً، ويشير إلى أن الحمام يعاني من" سمعة سيئة" منذ وصفه بأنه" جرذان بأجنحة" عام 1966، ما وضعه في منطقة رمادية بين الحيوان الأليف والحياة البرية.
هذه السمعة جعلته هدفاً للعنف أيضاً؛ إذ عُثر في بورتسموث الشهر الماضي على 29 حمامة نافقة يُعتقد أنها قُتلت بمقلاع، بينما يُزعم أن رجلاً قطع رأس حمامتين في نورويتش عام 2021.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك