لم تفقد طقوس شهر رمضان في العراق بريقها أو مكانتها في الوجدان الشعبي، فالعراقيون يتمسّكون بعاداتهم الاجتماعية الراسخة، حتى وإن أثقل الغلاء كاهلهم وقلص خياراتهم.
وعلى الرغم من كل التحديات، يبقى رمضان مناسبة استثنائية في العراق، فهو شهر للسكينة، ولإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية.
وفي العام الحالي، تبدو التجهيزات لحلول الشهر أكثر حذراً في جانب الإنفاق، مقارنة بالسنوات الماضية، لكن جوهر الطقوس لم يتغير، فالعراقيون يستقبلون رمضان بالقلوب قبل الموائد، في محاولة لمقاومة المخاوف اليومية عبر نشر الأمل، ومقاومة الغلاء بالتكافل، والاضطراب السياسي بلحظات الطمأنينة.
ويبرز الزحام في الأسواق الشعبية والمجمعات التجارية قبل أسابيع من بدء شهر الصوم، ويقبل الناس على شراء المواد الغذائية الأساسية، من الرز والطحين والزيت والسكر، إلى جانب التمور والعصائر والبهارات التي لا تخلو منها المائدة الرمضانية، ورغم ارتفاع الأسعار، يؤكد كثيرون أن التجهيز لرمضان لا يمكن تجاهله مهما كانت الظروف.
من العاصمة بغداد، تقول أم زيدون (62 سنة)، وهي موظفة متقاعدة، لـ" العربي الجديد": " أعلم أن الأسعار مرتفعة هذا العام، لكن رمضان له خصوصية.
أشتري الأساسيات على دفعات، وأحاول التوفير، فالمهم أن يكون البيت مهيأ للشهر الفضيل.
كل العائلات باتت أكثر حذراً في الشراء مقارنة بسنوات مضت، مع التركيز على الضروريات".
وأصبحت الزينة الرمضانية جزءاً أساسياً من طقوس رمضان لدى معظم العائلات العراقية، بعدما كانت في السابق تقتصر على الفوانيس البسيطة، وباتت الأهلة المضيئة والفوانيس تزين المنازل، وأحياناً الشوارع والأزقة، خصوصاً في المناطق الشعبية، في مشهد يعكس رغبة الناس في استعادة الفرح وسط واقع ضاغط.
من مدينة الديوانية (جنوب)، تقول أم علي، وهي ربة منزل، لـ" العربي الجديد": " نزين البيت كل سنة، ليس من أجل المظاهر، بل لإدخال الفرح على قلوب الأطفال.
رمضان له طعم خاص، والزينة تشعرهم بقيمة الشهر.
تكلفة الزينة ارتفعت أيضاً، لكننا نحاول شراء ما يناسب ميزانية العائلة".
وعلى صعيد التجهيز المنزلي، تبدأ ربات البيوت قبل أسابيع من حلول الشهر إعداد الأكلات الرمضانية التي يمكن تخزينها، وبات هذا تقليداً شائعاً، خاصة مع ضيق الوقت خلال أيام الصوم، ومن بينها الكبة بأنواعها، والدولمة، وبعض العصائر الرمضانية التي يجري إعدادها وتجميدها.
من البصرة، تقول أم سجاد، وهي ربة منزل: " نبدأ التحضير مبكراً لتخفيف الجهد في رمضان، فنجهز الكبة، ونفرز العصائر ونخزنها، صحيح أن التكاليف زادت، لكننا نحاول التكيف وتوفير مستلزمات المائدة الرمضانية.
التحضير المسبق أصبح ضرورة، خصوصاً مع انشغال النساء بالعمل أو مسؤوليات الأسرة".
ورغم الأزمة المعيشية، يؤكد أصحاب المحال التجارية أن الإقبال على التسوق الرمضاني لا يزال قائماً كما كان في السنوات السابقة، ويقول حيدر حسن، وهو صاحب محل لبيع البهارات في سوق الشورجة المعروف في بغداد، إن" الطلب في رمضان هذا العام لا يختلف كثيراً عن السنوات الماضية، فالناس تستعد للشهر مهما كانت الظروف، ربما يشترون كميات أقل، لكن حركة الشراء الرمضاني قائمة".
ويوضح حسن لـ" العربي الجديد"، أن" بعض الزبائن باتوا يعتمدون على الشراء بالتقسيط، أو الدفع على شكل دفعات ضمن فترات متباعدة، ونحن بدورنا نقدم لهم التسهيلات، باعتبار أن الظروف المادية للأسر العراقية تحتاج إلى مراعاة".
المشهد ذاته يتكرر في مدن أخرى، ففي الموصل التي لا تزال آثار الحرب حاضرة في ذاكرة أهلها، ينتظر الناس رمضان بلهفة، وتبدأ الاستعدادات مبكرة.
يقول محمد خليل، وهو عامل بناء، إن" رمضان يعيد لنا الشعور بالحياة الطبيعية، إذ نجتمع مع العائلة، وننسى التعب وإرهاق الحياة.
نحاول شراء ما نستطيع شراءه، حتى لو كان بسيطاً، فرمضان شهر البركة والطمأنينة، وننتظر قدومه سنوياً".
ومع حلول الشهر الفضيل تبرز الاستعدادات الدينية والاجتماعية، مع التركيز على المجالس الرمضانية والموائد الجماعية، ومن أبرز العادات المتوارثة التي لا تزال حاضرة بقوة الإفطار الجماعي، حيث تدعو العائلات الأقارب والجيران لتناول وجبة الإفطار، خاصة في الأيام الأولى من الشهر، وهذه العادة رغم تراجعها نسبياً بسبب الظروف المعيشية، ما زالت تمثل رمزاً للتكافل الاجتماعي.
تقول سارة فاضل، وهي معلمة من محافظة أربيل: " حتى لو لم يكن الإفطار فخماً، المهم أن نجتمع.
رمضان يجمع العائلة ويخفف من التوتر النفسي الذي نعيشه طوال العام، كما يمثل فرصة لإعادة نسج الروابط الاجتماعية التي أضعفتها الأزمات وانشغالات الحياة التي تتسبب أحياناً بالتباعد الأسري، لذا فإن رمضان هو فرصتنا في تعزيز صلة الرحم التي تعد جزءاً من ديننا".
وألقت الأوضاع السياسية التي تعيشها البلاد بظلالها على المزاج العام، وتسببت بقلق لدى الأهالي، خاصة مع ارتباطها بالأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، وما لذلك من انعكاس واضح لعدم القدرة على ضبط الأسواق، ما يضاعف معاناة الأسر، خاصة محدودة الدخل، في موسم يزداد فيه الإنفاق.
ويقول حسين كاظم، وهو سائق سيارة أجرة من محافظة كربلاء: " ننتظر شهر رمضان بلهفة، رغم أننا نتكلف فيه مصاريف مضاعفة.
كل شيء ارتفع سعره، والدخل ثابت، لكننا ننتظر الشهر لأنه يمنحنا هدوءاً نفسياً لا نجده في أي وقت آخر".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك