مع حلول شهر رمضان المبارك، تسترجع مصر واحداً من أقدم تعابير الفرح الشعبي وأكثرها رسوخاً، مع عودة الفانوس المصري بصناعته التراثية إلى صدارة المشهد من جديد.
فبعد سنوات هيمنت فيها الفوانيس البلاستيكية المستوردة، عادت المصانع الصغيرة" الورش" بمناطق وسط العاصمة القاهرة في الحسين وباب الشعرية والدرب الأحمر وشارع المعز تقرع مطارقها، لتعيد صوت الفانوس القديم المصنوع من النحاس والصفيح والخشب، وللناس حنينهم للماضي الأصيل الذي لا يشيخ.
ورغم ارتفاع أسعار الفوانيس المصنوعة يدوياً، حيث يبدأ الصغير منها من نحو مئتي جنيه، ويتراوح أسعار الفوانيس الكبيرة ما بين ثلاثمئة وأربعة آلاف جنيه بحسب الحجم والخامة (الدولار = نحو 47 جنيهاً)، استعاد الفانوس المحلي مكانته التي كادت تضيع تحت وطأة المستورد.
مع ازدهار فكرة الفانوس النحاسي الخالص، الذي بات أيقونة للزينة الدائمة بمداخل الفنادق وفي البيوت الراقية، أصبح كثير من الأسر الثرية تقبل عليه كقطعة ديكور دائمة لا تخص رمضان وحده؛ إذ يُباع بعضها اليوم بأسعار تتراوح ما بين ألف وعدة آلاف من الجنيهات للفانوس الواحد، مع رواج بيعه في المراكز التجارية الكبرى لهذه الفئة الراقية.
إحياء صناعة الفانوس المصري لم يأتِ مصادفة، بل كان ثمرة قفزة تكنولوجية قلبت موازين السوق؛ إذ نجح الصناع من أصحاب الورش الصغيرة والمتوسطة في تحقيق معادلة طال انتظارها عبر توظيف تقنية الليزر في قص ألواح النحاس والمعادن والخشب والنقش عليها، بما خفض تكلفة الإنتاج اليدوي دون التفريط في جمال الصناعة التقليدية، فعاد النحاس، رغم ارتفاع ثمنه عالمياً، يلمع من جديد بعد أن انطلقت الورش في صقله وتجميعه وتلميع فوانيسه، ليصبح نتاج كل قطعة خليطاً من الحرفة القديمة والدقة الحديثة.
وفي المقابل، انحصرت الفوانيس الخشبية من" الأركت" والبلاستيكية في نطاق الأطفال، إذ تتراوح أسعارها بين ثلاثين ومئة وخمسين جنيهاً للقطعة، لتظل خياراً اقتصادياً يوفر للأطفال متعة حمل الفانوس والتجول به ليلاً على أنغام الأغاني الرمضانية، دون تحميل ميزانية الأسرة ما لا تطيق.
أعاد رواج صناعة الفوانيس السرديةَ الشعبيةَ عنه إلى أكثر من ألف عام، وتحديداً إلى عصر الدولة الفاطمية، حين خرج المصريون إلى باب زويلة، حيث سور العاصمة العتيقة، لاستقبال المعز لدين الله ليلاً حاملين الفوانيس ليضيئوا الطريق، في أول مشهد جماعي لاستخدام الفانوس في التاريخ المصري.
وسرعان ما تبنى الفاطميون هذا الرمز، فأمروا بإضاءة المساجد به، لينتقل من كونه أداة للإضاءة إلى طقس سنوي ومظهر احتفالي وعادة اجتماعية ترتبط بالمحبة والبهجة.
وفي روايات التاريخ، يرى المرشد السياحي والباحث في التاريخ، عماد حمدي، أن الفانوس وُجد في مصر منذ عهد الفراعنة، مشيراً إلى وجود نماذج عديدة منه داخل المتحف المصري وسط العاصمة، توضح تنوّع الإضاءة الصادرة عنه وتشغيله بالزيت، حيث كان يُصنع من الفخار والصلصال على أشكال مختلفة أقرب لـ" مصباح علاء الدين السحري".
وبيّن حمدي أن صناعته تطورت مع الزمن؛ فنراه في العصر الفاطمي يبدأ بدايات بسيطة للغاية، حيث توضع شمعة مثبتة على قاعدة خشبية تحيط بها ألواح للحماية، ثم تطور إلى الفانوس الصفيح المزخرف ذي الشمعة، قبل أن تدخل الكهرباء ليتحول إلى أيقونة شعبية مصاحبة للأغاني والأضواء.
يوضح حمدي أن اختيار المصريين صناعة الفانوس محلياً لم يكن مصادفة، فهذه الحرفة وُلدت في منطقة باب زويلة وما يحيط بها من حارات عريقة، منها حارة الروم وحارة اليهود وتحت الربع، حيث نشأت أولى ورش النحاس والصفيح التي صاغت الفانوس التقليدي.
ويقول حمدي لـ" العربي الجديد": " كانت الأبواب المحيطة بالقاهرة الفاطمية والأسواق المجاورة مثل الدرب الأحمر ووكالة النفيسي وسوق النحاسين بمثابة المدرسة الكبرى لصناعته.
وفي الأزقة الضيقة التي لا تزال تعبق برائحة التاريخ، توارثت عائلات كاملة مهنة تشكيل النحاس والزجاج الملون، فبقي الفانوس لقرون رمزاً مصرياً خالصاً، وما زالت الورش هناك تعمل بالطريقة نفسها تقريباً".
ويضيف الباحث في التاريخ أن العقود الأخيرة شهدت تغييراً كبيراً في صناعة الفانوس، إذ تسللت الفوانيس المستوردة، وخصوصاً الصينية، إلى الأسواق، محملة بإضاءة متعددة الألوان ونغمات حديثة بدت في البداية مثيرة للأطفال، بينما تحولت بالتدريج إلى كلمات وألحان هابطة، استُعيرت من" مهرجانات الرقص"، مما عكس تراجعاً واضحاً عن الهوية الأصلية للفانوس الذي كان يُصنع ويُصدر من مصر إلى العالم الإسلامي أجمع من أسواق القاهرة التاريخية، قبل أن تضيق مساحة الفانوس المحلي تحت ضغط المستورد.
وبعد سنوات من التضييق على الصناعة المحلية، يبدو أن البوصلة عادت إلى اتجاهها الصحيح؛ فقد رصدت" العربي الجديد" انتعاشاً كبيراً على مدار الأيام الماضية بأسواق وسط القاهرة في الطلب على الفانوس التقليدي، بما يعكس رغبة جامحة لدى المصريين في استعادة رمزهم الثقافي، رغم الظروف الاقتصادية وتزاحم مواسم الإنفاق مع بدء الفصل الدراسي الثاني، واحتياجات الأسر من السلع الأساسية لشهر الصوم والاستعداد لكسوة العيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك