مع أنّه يمكن القول إنّ ضرّ إيمانويل ماكرون أكثر من نفعه، للفرنسيين أنفسهم أولاً، فتلك مساحةٌ جيّدة من بساطٍ استعماريّ تسحبُ من تحتِ قدمَي فرنسا في أفريقيا، لكنّه، وقبلَ محاولاتِ الوزير الأميركي روبيو الترميميّة في مؤتمر ميونخ للأمن، كانَ أشارَ إلى ما أسماها" لحظة غرينلاند"، بوصفها نقطة وعي أو تحوّل في العلاقات عبر الأطلسي، فأوروبا الغارقة في حربِ أوكرانيا منذ أربع سنوات صدَّع ترامب زجاجَ علاقاتها مع الولايات المتّحدة بوصفها حليفاً أساسياً، فصارَ أن التفتت إلى قضايا سياسيّة واقتصاديّة وسياسيّة ربّما، وكانَ أن أقبَلت أو تُقبل على الصّين وتعزيز العملة الموحّدة يورو، وزيادة الصّناعات الدفاعيّة الأوروبيّة، وغير ذلك كلامٌ كثيرٌ يورده مختصّون فيه، ليست هذه المقالة بصدده.
إنّما كأنّ هذه التّحولات الدولية لا تطاول التفكير السياسيّ العربيّ وممارساته، فحربٌ طاحنة عامَين ويومَين على قطاع غزّة الفلسطينيّ المحاصر لم تخلق لحظة غرينلاند عربيّة بشأن مصدر الخطر في المنطقة العربيّة على الأقل، وضربُ الدّوحة، لم يُنتج كذلك لحظة غرينلاند عربيّة تجاه الاستباحة الإسرائيليّة للمنطقة بلا استثناء، وكذا ضربُ اليمن ولبنان واحتلال أجزاء منه، ومن سوريَة ودعم انفصالٍ للدروز، عدا عن إيران والأيدي الخفيّة والظاهرة في السودان، ولحظة الصّومال التي كادت أن تجرَّ معها لحظة يمنيّة قاسية لولا أن جرى تدارك الأمر (على ما يبدو)، إذ لم يواجَه هذا التّغول الإسرائيليّ إلّا بلغةٍ تخشّبت في بيانات مستنسخة ورديئة تشجب وتستنكر وتدعو هياكل أمميّة قُوِّضت وتقوّض بأيادي ترامب ونتنياهو إلى ما لا تستطيع ضمانه أو حمايته وصونه، ولم يجرِ الالتفات إلى أنّ العلاقة مع أميركا غير دائمة، ولا ضامنة، فتلك أوروبا، وذلك العراق، وتلكَ قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
لم تخلق حرب الإبادة على غزة لحظة غرينلاند فلسطينيّة، تجمعُ شتات المختلفين على امتيازات الوهم الوطنيّ.
لم يُواجَه هذا كلّه بلحظة حقيقة قاسية تتعلّق لا بمَن يأخذ قرار السِّلم (والتّسليم) فحسب، إنّما قراري الحرب والسّلم، ولا بحصريّة السّلاح وحده، إنّما باستراتيجيّة الدفاع عن السيادة الوطنيّة، ولا بالاقتتال والاقتسام والتقاسم، بل باختراع عوامل وحدة لو تعذّر إيجادها وهي الموجودة، ولا بالاسترضاء عبر تسليم مقدّرات البلاد وخيراتها لأميركا، بل باستعمال تلك المقدّرات أدوات تأثير سياسيّة، وبالانتصار لا بفنّ تحويل الهزائم إلى انتصارات.
وكثيرٌ يقال في هذا، ويظلّ هذا الكثير الذي يعني وحدةً أو استيقاظاً من موتٍ عربيّ طويل حلماً وأمانيَّ لحالمين شعراء يظنّون السّياسة ضرباً من الشِّعر، ويأملون لو لحظة واحدة تعطي شعوراً بالعلوّ، مثلَ الذي غمر أجدادنا لحظة عبور الجيش المصري القنال في حرب أكتوبر (1973)، أو بقرار الملك فيصل في العام نفسه قطع النفط عن دول ساندت إسرائيل، ومثلَ الذي غمرنا لحظةَ اعتلى شاب فلسطينيّ دبابةً على حدود غزّة صبيحة" 7 أكتوبر" (2023).
وهذا كلّه الذي سبق، لم يخلق لحظة غرينلاند فلسطينيّة، تجمعُ شتات المختلفين على امتيازات الوهم الوطنيّ، بل إنّها وبمرارةٍ قاسية أفرزت ظواهر مليشياويّة مسلّحة مشوّهة يندى لها الجبين، ويقفُ كلُّ ذي خجلٍ (و" الخجل عاطفة ثوريّة" كما قيل) أمامها خافضَ الرأس، وأفرزت مزيداً من التقاسم والاستقطاب والتخوين، وتركت الأرض والشّعب أمامَ قتلةٍ ومستوطنين يقضون على ما ظلّ للفلسطينيّ من أرضه وعرضه أو من ماءِ وجهه الذي يُريقه على أبوابِ لؤمٍ أمميّ جائعاً أو باحثاً عن علاجٍ أو هربٍ من واقعٍ تداعى على رأسه، فيما سياسيّوه أصبحوا وكالاتِ أنباء ومحلّلين سياسيين، ومقاتلوه قضوا شهداء على أيدي جيش الاحتلال أو وكلائه، وأرضه تقسّمها الخطوط الصفراء والخضراء، وتقطّعها الجدران والطرق الالتفافيّة، وتأكلها المستوطنات التي تتوسّع، وماؤه وسماؤه و.
كتاباتنا، بما فيها هذا، أصبحت أشبه بالنّواح الجماعيّ اليائس، لا بدَّ من الاعتراف.
وإنّ حالتنا أصبحت مؤسفةً في السياقات كلّها، ولا يبدو أنّ ثمة حلّاً سحرياً، ولا يبدو أنّ ثمّة وصفةً فلسطينيّة خالصة، إنّما ربّما أملٌ وحيدٌ أنّه يوماً ما ستكون هناكَ لحظة غرينلاند عربيّة، قد تأتي، ولو متأخرةً كثيراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك