بينما كانت تدور في واشنطن أوسع عملية لتزييف التاريخ وتدوير نفاياته، من خلال ما يسمّى" مجلس السلام" في اجتماعه الأوّل برئاسة الراعي الأكبر للجرائم بحقّ الإنسان الفلسطيني، كانت التونسية المُذهلة كوثر بن هنية تعطي درسًا للعالم في مادتي التاريخ والأخلاق، وتُعرّي أولئك المُشاركين في تدمير المفهوم الحقيقي للسلام.
كوثر بن هنية، المخرجة التونسية عربية الأصيلة هزّت ضمير العالم هزًاً حين رفضت استلام جائزة" الفيلم الأرفع قيمة" التي منحتها لها مؤسسة" سينما من أجل السلام" في برلين على هامش فعاليات مهرجان برلين السينمائي عن فيلمها" صوت هند رجب" الذي يُعالج جريمة الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزّة.
اتخذت المخرجة التونسية هذا الموقف الملحمي احتجاجًا على تكريم المؤسّسة نفسها جنرالاً صهيونيّاً متقاعداً شارك في فيلم وثائقي كندي بعنوان" الطريق بيننا" عن إنقاذه أسرته خلال عملية" طوفان الأقصى"، معتبرةً أنّ المهرجان بهذه الخطوة قدّم غطاءً سياسيّاً للإبادة من خلال إعادة تأطير القتل الجماعي، أن يصبح موت هند رجب والمسعفين الاثنين اللذين حاولا إنقاذها" مجرّد خلفية لخطاب مهذب عن السلام".
تصلح كلمات كوثر بن هنية البسيطة لتكون معياراً أخلاقيّاً وإنسانيّاً سليمًا لتقييم المواقف: " لن آخذ هذه الجائزة إلى بيتي؛ أتركها هنا لتكون تذكيراً بالدم لا تكريماً للفنّ"، قالت كوثر وهي تقف شامخة فوق مسرح الاحتفال بالعاصمة الألمانية قبل أن تضيف: " وعندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، متجذّرًا في المساءلة عن الإبادة الجماعية، عندها سأعود وأقبلها بفرح".
قالت كوثر كذلك إنّ" السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي، وكي تشعر بالراحة.
إذا تكلّمنا عن السلام، فعلينا أن نتكلّم عن العدالة، والعدالة تعني المساءلة.
من دون مساءلة، لا سلام".
من برلين إلى واشنطن، انعقدت أولى جلسات" مهرجان دونالد للسلام الكاذب" بحضور لفيف من المسؤولين العرب والدوليين، في مناخ يتشابه كثيرًا مع فعاليات مؤسّسة" سينما من أجل السلام"، إذ يُبعثر ترامب جوائزه ذات اليمين وذات اليسار على أصدقائه من الحكّام العرب" الاستثنائيين" بالتساوي مع بنيامين نتنياهو الذي صار أحد رجال السلام وصنّاعه بقرار أميركي أعلنه مبعوث ترامب ستيف ويتكوف على مسرح الاحتفال بالقول: " لولا نتنياهو لما تم إنجاز الكثير بشأن السلام في غزّة".
هكذا توزّع الجوائز والمكافآت ببذخ لتَمنح مجرم حرب مُدان بحكم من أرفع محكمة دولية لقب" صانع سلام" مُطرّزًا بعظام ودماء أكثر من سبعين ألف إنسان فلسطيني في أوسع جريمة إبادة جماعية عرفها التاريخ.
في ردّات الفعل على مكافآت دونالد ترامب الكلامية، تضع وسائل الإعلام العربية في صدارة أخبارها عناوين من نوعية" الرئيس الأميركي يشيد بالزعيم ويوجه له تحية خاصة على دوره".
الكل عند ترامب رائعون، نتنياهو رائع والوسطاء رائعون، لأنهم جميعًا ساعدوه في صناعة سلام عنوانه" سلم سلاحك واخلع سترتك وتبرأ من المقاومة وعانق الاحتلال بحب وعرفان، وإن لم تفعل فسوف نجبرك على ذلك بمنتهى العنف والقسوة"، ليقول بوضوح" العالم الآن ينتظر حماس وهذا هو العائق الوحيد أمامنا وستسلم السلاح كما وعدت وإلا فستُواجه بقساوة".
أتخيّل هنا كوثر بن هنية عضوًا مشاركًا في" مهرجان سلام ترامب" وسمعت اسمها يردّده الرئيس الأميركي باعتبارها من مستحقي جوائزه ومكافآته الكلامية، في سياق واحد مع بنيامين نتنياهو بوصفه فائزًا هو الآخر بجائزة في المهرجان نفسه، وأسمعها وهي تهتف في القاعة" لا أريد تمثالًا يجمّل وجه الإبادة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك