يواجه البنك المركزي الأوروبي مرحلة شديدة الاضطراب.
اليمين الفرنسي قد يفوز في الانتخابات الرئاسية في إبريل/ نيسان العام المقبل، بالتزامن مع نهاية ولاية رئيسة المركزي الأوروبي الفرنسية كريستين لاغارد في أكتوبر/ تشرين الأول 2027.
يعني هذا الترابط أن موجة من الرعب تسيطر على المسؤولين في المركزي الأوروبي في حال كان اليمين الفرنسي من بين الذين سيختارون رئيس المركزي المقبل بدلاً من لاغارد.
والمركزي الأوروبي لا تنقصه شروخ ولا صراعات، ولا يستطيع تحمل قوة يمينية تشكك أساساً في جدوى الاتحاد الأوروبي، وتركز في خطابها على إخراج فرنسا من منطقة اليورو، وسط تأكيدات بأن الحزب الوطني الفرنسي اليميني سيضغط في حال فوزه على البنك المركزي الأوروبي لإعادة إطلاق برنامج التيسير الكمي كوسيلة لمعالجة عبء الديون الفرنسية المتضخمة.
وعمليات تجنب اليمين الفرنسي لا تتوقف عند لاغارد وحدها، فقد أعلن محافظ المركزي الفرنسي فرانسوا فيليروي دي جالو استقالته بشكل مفاجئ في 9 فبراير الماضي، وحدد موعد مغادرته في يونيو 2026، أي قبل 18 شهراً من انتهاء ولايته الرسمية (التي كانت مفترضة في أكتوبر 2027).
وفي حين قال إنه يريد التفرغ لإدارة مؤسسة خيرية، إلا أن استقالته المبكرة لا تعني سوى إعطاء الصلاحيات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لاختيار بديل عنه لمدى 6 سنوات قبل فوز اليمين المحتمل في الانتخابات المقبلة.
ومن هذا المنطلق أيضاً، قد تتجه لاغارد لاستقالة مبكرة، ما يمنح ماكرون اختيار خليفتها بالتوافق مع الدول الأوروبية الأساسية وعلى رأسها ألمانيا.
لكن هذه العملية تحمل في طياتها خطراً كبيراً يمس باستقلالية البنك المركزي الأوروبي وحياده السياسي.
وذكرت صحيفة فايننشال تايمز الأربعاء أن لاغارد قررت بالفعل الاستقالة مبكراً لإتاحة الفرصة للرئيس ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز لاختيار بديل لها.
فيما من المقرر أن تستمر ولايتها حتى أكتوبر 2027.
لكن أربعة مصادر قالت لرويترز أمس إن لاغارد أبلغت زملاءها في رسالة بأنها لا تزال تركز على عملها، وأنها ستخطرهم أولا إذا قررت الاستقالة، وهي رسالة فهم متلقوها أنها تعني أنها لن تترك منصبها.
أما حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني بزعامة مارين لوبان فقد أوضح رغبته في تغيير آلية عمل البنك المركزي الأوروبي، ما يعني أن التلاعب الواضح للسيطرة على التعيينات الرئيسية والتهرب من تبعات الانتخابات يشكل سابقة خطيرة للبنك المركزي، وفق وكالة" بلومبيرغ".
قال أندرو كينينغهام، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في كابيتال إيكونوميكس: " يميل السياسيون الأوروبيون، كما هو الحال في أماكن أخرى، إلى تجاوز القواعد لضمان تولي مرشحهم المفضل رئاسة البنك المركزي.
وهذا يقوض صورة البنك المركزي الأوروبي كواحد من أكثر البنوك المركزية استقلالية في العالم".
من بين المناصب الأوروبية، يُعد منصب رئيس البنك المركزي الأوروبي ذا نفوذ خاص.
فهذه المؤسسة التي تتخذ من فرانكفورت مقراً لها، تحدد أسعار الفائدة لـ 350 مليون شخص في 21 دولة، وتراقب المخاطر المالية، وتهدف إلى ضمان استقرار اليورو، ثاني أكبر عملة احتياطية في العالم.
تزايدت المخاوف بشأن التدخل في عمليات البنوك المركزية خلال العام الماضي في ضوء التطورات في الولايات المتحدة، حيث انتقد الرئيس دونالد ترامب مراراً وتكراراً رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول ودعاه إلى خفض أسعار الفائدة بشكل كبير.
لكن تحركات السياسيين الأوروبيين لوضع ضمانات قد تأتي بنتائج عكسية.
قال ديفيد باول، الخبير الاقتصادي لتلفزيون بلومبيرغ: " منذ أزمة اليورو، اشتكى العديد من السياسيين في منطقة اليورو من السياسات.
وقد تم تجاهلهم إلى حد كبير، وظلوا مجرد حدث جانبي، لكن هذه الأصوات قد تصبح أكثر وضوحاً".
يحظى حزب التجمع الوطني، بقيادة لوبان وجوردان بارديلا، بتأييد قوي في استطلاعات الرأي، ويمكنه الفوز بالانتخابات الرئاسية في ربيع العام المقبل.
صرح بارديلا بأن الحزب سيضغط على البنك المركزي الأوروبي لإعادة تفعيل برنامج التيسير الكمي إذا وصل إلى السلطة، وذلك للمساعدة في حل المشاكل المالية التي تعاني منها فرنسا.
إلا أن ذلك سيخالف القواعد التي تمنع البنك المركزي من تمويل الحكومات بشكل مباشر.
وسط هذه التصريحات، ربما لا يُستغرب أن يرغب البعض في حماية البنك المركزي الأوروبي من أي تدخل.
يُختار رئيس البنك المركزي الأوروبي من بين جميع الدول الأعضاء في منطقة اليورو، مع أن لفرنسا وألمانيا الرأي الفصل بصفتهما أول وثاني أكبر اقتصاد في المنطقة.
اثنان من رؤساء البنك المركزي الأوروبي الأربعة حتى الآن كانا فرنسيين، وهما لاغارد وجان كلود تريشيه.
وكان صوت لاغارد في الدفاع عن استقلالية البنوك المركزية من بين أعلى الأصوات بين نظرائها.
وقد حذرت من أن المؤسسات ستصبح عاجزة عن أداء وظائفها من دون هذا الاستقلال، مما سيؤدي إلى اضطرابات وعدم استقرار.
ومع ذلك، يمكن اعتبار المغادرة المبكرة بمثابة تقويض لتلك المعايير بالذات، بل وحتى التحايل على الديمقراطية، وفق" بلومبيرغ".
وعلى الرغم من أن لاغارد تتوقع خليفة فرنسياً في مركزها، إلا أن إسبانيا أعلنت صراحةً عن رغبتها في خلافة لاغارد رئيسةً للبنك المركزي الأوروبي.
وقالت وزارة الاقتصاد الإسبانية صباح الأربعاء إن رابع أكبر اقتصاد في أوروبا" سيعمل بنشاط لضمان حصوله على مكانة مؤثرة وذات مغزى" في البنك المركزي الأوروبي، مضيفة أن مدريد تسعى إلى" لعب دور قيادي داخل المؤسسات الاقتصادية الرئيسية في أوروبا".
وقال مسؤول حكومي في الاتحاد الأوروبي لـ" فايننشال تايمز": " لقد بدأ السباق".
وقال مسؤول آخر يتابع الأمر عن كثب لصحيفة فايننشال تايمز إن من المرجح أن يحدث الرحيل هذا الصيف بعدما أصبحت المعلومات المتعلقة برحيل لاغارد المبكر علنية.
وسيحتاج أي عضو جديد في المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي إلى دعم 16 دولة على الأقل من أصل 21 دولة عضواً تمثل ما لا يقل عن 65% من السكان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك