رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، إلا أن السوريين يبدون كمن يربّي الأمل في المزهريات، ويحرصون على سقايته يومياً، لكن يختار كل شخص ماءه الخاص.
بعضهم يهرعون إلى الشام القديمة، لأن الأمكنة تعطي طاقتها الإيجابية للمحبين.
وآخرون يفضلون متابعة التحليلات السياسية ونشرات الأخبار.
أما السوداويون، فلا يسكبون سوى التشاؤم في دلاء، ثم يرشونه على الجميع!
هكذا يبدو المشهد في بداية رمضان.
فبدءاً من باب سريجة، تبدأ الصور بالانهمار مثل زخّ المطر.
أناس يعيّشون عائلة، من وراء عدة جرز بقدونس، ويبسّطون الأمور عندما تسألهم عن الجدوى ويقولون: " الحمد لله.
الله ساترها".
وبائعون يطلقون أغنياتهم الارتجالية من وراء بسطاتهم، حتى يشجعوا الناس على القدوم.
تجار كبار لديهم سوبرماركات ضخمة، وباعة لحوم ينهالون عليها بالسواطير، كي يعطوا الزبائن القليلين" نصف أوقية" أو" أوقية"، يفردونها لعدة طبخات.
" المعدومون" والمتخمون والقانعون، جميعهم يمتلكون نصوصهم الخاصة، التي يمكن قراءتها بسهولة، من تقاطيع الوجه والتجاعيد ونظرات العيون والهالات السوداء التي تظللها.
أو من البسمات ونظرات التفاؤل التي يقولون إنهم لن يتخلوا عنها مهما اشتدت الظروف.
يقول صاحب بسطة بيع الشوندر المسلوق: " أنا سعيد وفرح جداً، فالمجتمعات تحتاج فترة طويلة للتعافي، وها نحن بدأنا مرحلة العلاج"، ثم ينهمك بتوزيع القطع الحمراء التي يتصاعد منها البخار، ضمن صحن صغير، يغطيه بالنايلون الشفاف، ويضيف: " من يريد أن يعمل يمكنه فعل أي شيء.
عمّي".
التناقضات هنا، تؤكد أن المجتمع يشفى بالتفاعل، فرغم الاختلاف في نصوص الوجوه، لكن شعوراً غامضاً يبدو وكأنه يوحد الجميع: " الحمد لله نحن بخير، وعلينا الصبر حتى تتحسن الأمور".
بشكل ما، يمكن الحديث عن مجتمع صغير في سوق باب سريجة، مثلما هو الحال بمجتمع صغير آخر، يحرص على تناول صحن من النابلسية، من محل الشامية القريب.
" الصحن بـ15 ألف ليرة.
والله كتير"، تقول إحدى الأمهات، وهي تشتري صحناً لابنها الذي ظل" ينقُّ" حتى انصاعت لرغبته بالشراء.
بينما ينهمك آخر بالتهام حصته بفرح غامر، كأنه انتظره منذ زمن طويل.
يقول: " في وداع شعبان واستقبال رمضان، يقوم الناس بأكل كل ما يشتهون قبل البدء بالصيام".
لكن الوجوم الظاهر على إحدى العابرات، يبوح بنص مختلف يقول: " العين بصيرة واليد قصيرة"، في إشارة لحالة الضيق الاقتصادي التي تسبق الشهر الكريم.
أما النساء اللواتي افترشن الأرصفة، ببضاعتهن المنزلية، فلهنّ نصوص أخرى، تلك السيدات العارمات بالتحدي، يبدون ممتلئات بنصوص القوة والإصرار.
تبتسم الجدّة بائعة التين اليابس والزبيب مع الأعشاب، وتقول: " لقد مرّ على هذا الرأس الكثير، لكننا بقين قادرات على انتزاع لقمة العيش من فم السبع".
إنها نصوص التفاؤل التي يحتاجها الأحفاد في هذه الأوقات.
وفي حين يضحك رجل من كلّ قلبه، وهو يتحدث مع إحدى البائعات، على رصيف شارع النصر، يتأكد المرء أن الدنيا" لسه بخير"، وأن عليه الذهاب فوراً إلى مزهريته، من أجل سقاية الأمل من مائه الخاص.
" نصوص" وجوه السوريين في الحميدية والبزورية.
النصوص هنا، تبدو أكثر سريالية واختزالاً، أناسٌ مسرعون نحو وجهات مختلفة، وآخرون منهمكون بتفقد الأسعار، بعضهم يريد الوصول إلى الجامع الأموي في آخر السوق، وآخرون يتجهون إلى البزورية لشراء بعض الحاجيات.
يقول أحدهم: " هذا المكان يعطيني طاقة غامضة، وأنا هنا فقط لأتمشى، وليس من أجل التبضع".
وفي حين يصر عليك بائع" غزل البنات" أن تتذوق من يده حفنة من السكر المغزول على شكل خيوط، تنصاع لرغبته برضا، كأنه يهديك نصاً إيجابياً مليئاً بالتودد والحب: " لا تشتري.
فقط خذ ضيافة يا أخي"، هكذا يلح البائع على العابرين، بنصٍّ يفاجئهم، وتختلف ردود الفعل، تبعاً لأصحاب النصوص العابرة، منهم من يهرول هارباً من المكان، ومنهم من يوزع ابتساماته للبائع ثم يمضي، وآخرون يقبلون على تلقي الضيافة عن طيب خاطر.
لكن رجلاً على شكل" مانيكان" بلاستيكي، برجلٍ اصطناعية، وذراعين مقصوصتين، ووجه ملطخ بسائل ما، مع وجود تشققات في الخدود، يظهر بنص مختلف، وهو يحدق بالمارة ثابتاً بحدقتيه الزرقاوتين: " لقد مرت سنين طويلة وأنا هنا، لا أقول شيئاً، لكنني أعرف كل شيء".
تكبر جعبة التناقضات بين النصوص، ويحار المرء كيف يُعرب وابل الكلمات والجمل الإسمية والفعلية، عند أبناء الشعب، الذي يبدو وكأنه يشكل نصاً واحداً متكاملاً في النهاية، بآماله وأحزانه وسوداويته وتفاؤله، وأيضاً بضعفه وشدته!
يؤكد ذلك، عازف المزمار الشعبي وسط الحميدية، وكذلك بائع القهوة بزيه التقليدي وسط الطريق، وأيضاً بائع العرقسوس الذي بدأ مبكراً بعصر ذلك السائل الساحر للناس في رمضان.
تسأل الناس، لماذا تحرصون على جلب الحبوب لطيور الحمام قرب الجامع الأموي؟ وبماذا تشعرون وأنتم تشاهدونها تأكل ثم تطير؟ويفاجئك أحدهم بجواب شعري: " نشعر بأننا والكائنات الأخرى شركاء في كل شيء".
وهل تتخيل أن طيور الحمام تعرف هذه الحقيقية؟ يجيب: " نعم بغريزتها، وهي تنقر الطعام بنهم.
وربما هي من يشفق علينا لأننا لا نحسن الطيران! ".
يستطيع السوريون مفاجأتك بنصوص غير متوقعة، لكنك ستكتشف أن من تتحدث معه، متعلم ومثقف وخريج جامعي.
حتى من لم تسمح له ظروفه بإكمال التعليم، يمتلك نصه العفوي البسيط، الذي يمكن إدراجه ضمن الأدب الواقعي.
نتابع الطريق باتجاه سوق الذهب القديم، هناك يتجول العرسان المقبلون على الحياة بإشراقٍ يقول" نريد أن نعيش ونستمر".
في سوق الذهب، تتأكد أن المجتمع السوري من ذهب عتيق.
ألم تكن جداتنا تقول: " دهب العتيق أصلي لا يتغير بل يجوهر أكثر مع الوقت، وهيهات أن ينال منه الصدأ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك