يهتم نقاد الكوميديا العرب كثيراً خلال السنوات الأخيرة، بنوع من “نهضة فنون الكوميديا” في العراق، التي استقطبت اهتمام المتابعين من كل مكان، وتحولت أحياناً إلى أعمال درامية مرموقة، مستندة إلى فسحة تتيح للهجات العراقيين إظهار إمكانياتها في التعابير المحببة العميقة والملغزة، وأن تبتكر مفارقات ذكية غاية في الطرافة، وإذ يظهر عشرات من الشباب والهواة على السوشيال ميديا العراقية شهرياً، كمنتجي محتوى ساخر، برز جاسم جودة وهو سائق شاحنة في عقده الخامس، ينتمي بعمق للتراث مدينة السماوة التي تغفو على الفرات وتعيش مع الصحراء، وبسرعة غمرت حكاياته عن البدو وذكريات الثمانينات والتسعينات، مساحة كبيرة من يوتيوب العراق، حيث يظهر عبر بث مباشر وكارتون أنيميشن وهو يقود “التريلة”، ويسرد قصصاً لا تنتهي، مؤكداً لمراسل شبكة 964، إن معظم الحكايات جزء من سيرته كمغامر في عمليات التنقل عبر الحدود مع السعودية، والتي أنتجت قصص حب وعشق للبدويات، ومشاكل محببة أحياناً وعويصة أحياناً أخرى مع “الشرطة” الذين اتهموه بالكفر والشرك مرة، وهو سرد يسمح برؤية نوع آخر من كوميديا هذه الأيام، خصوصاً وأنه يتسلح بلهجة خاصة، لا هي جنوبية من الأهوار، ولا مموسقة بلسان المدن، بل مزيج كل هذا مع لحن الفراتيين وبلاغة البادية الممتدة من سوريا حتى الزبير وحدود عرعر ورفحاء، حتى أن الشباب المولعين بالأنيميشن قاموا بتحويل حكاياته على وجه السرعة إلى كارتون، تظهر في بدايته تلك الشاحنة الكبيرة التي يقودها في الواقع، بينما يروي الحكايات، ويحرص أن يختمها بحكمة بدوية ممزوجة بحداثة هذه الأيام، ناقدة لظواهر يعتقد أنها حماقات تتفشى بين أهل العراق والشرق الأوسط، مع وصايا “الكهل” بضرورة التروي، وعدم الاستغراق في السخرية المحضة دون النظر إلى “العبرة”، ويقول إنه يكتفي بذلك ولم يحاول الاتصال بشركات إنتاج تلفزيوني أو ما شابه، لتطوير هوايته، مفضلاً أن يبقى ماسكاً بالقلم في ديوان على طرف الصحراء، ليعثر على “رأس النقطة”، ثم ينطلق معها وهو يقود شاحنته على الخط الدولي الرابط بين جنوب العراق وشماله، طوال الأسبوع.
منذ عامين اختار جاسم جودة مواقف عاشها خلال عمله وتحديدا اثناء رحلات “الكعيبر والتهريب” إلى السعودية منذ شبابه نهاية الثمانينات، كي يحولها إلى قصص فكاهية ويرويها عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث بدأت كتجارب شخصية، ثم تطورت إلى حكايات مستوحاة من ذاكرة الناس وما يسمعه في محيطه اليومي، فيما وجد تفاعلا واسعاً من المتابعين خصوصا من أبناء جيله الذين يستذكرون “أيام الشباب”.
جاسم جودة عباس – صانع محتوى ساخر- لشبكة 964:
لي سنتان في هذا المجال، بدأت عام 2024 لكن قبل ذلك جربت أن أكتب الشعر، ثم تركت هذه الهواية واتجهت إلى كتابة القصص.
القصص في بدايتها كانت مواقف حدثت معي شخصيا، قمت بسردها، وبعد ذلك أصبحت أنصت باهتمام لما أسمعه من تجارب الناس، فأؤلف بناء عليه وأرتبه.
لدي متابعون يطلبون مني دائما قصصا جديدة.
سرد القصص شيء جميل، وحقق لي شعبية واضحة، فعندما أكون في الشارع أو في المحلات أو الدوائر ألاحظ حسن الاستقبال من الناس ومحبتهم، حتى أن البعض يناديني في الشارع ويطلب قصة جديدة هذا التشجيع من المتابعين والناس دفعني للاستمرار والبدء الجدي في كتابة القصص.
تحويل القصص إلى كارتون جاءني مثل هدية.
الرسوم المتحركة المنشورة ليست لي بل تعود لصديق تعرفت عليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
في البداية نشر أول مقطع دون أن يطلب موافقتي، ثم لاحقا راسلني واعتذر وقال إنه نشره دون علمي، وطلب موافقتي.
قلت له إن كان هذا باب رزق له ويستفيد منه فليتفضل، فقال إنه يريد أن يعطيني مقابلًا، لكني رفضت وقلت له الأهم أن يستفيد هو.
هو شاب صغير ورأيت أنه مستفيد من هذا العمل، وأنا الحمد لله أموري مستقرة، أعمل سائق شاحنة في شركة، فقلت ليكن هو المستفيد، وهو الآن من يقوم بصناعة هذه الرسوم المتحركة.
في البداية كانت القصص مواقف حقيقية، لكن المواقف لا تستمر دائما، وكثيرون يسألونني هل كل هذه المواقف حدثت معك؟ فأقول لا.
حينها بدأت مرحلة التأليف، وأنا مستعد لتأليف أي قصة أريدها، وأستطيع صياغة أي فكرة تخطر في بالي بطريقة مناسبة.
أقود التريلة بسرعة وتأتي الذكريات.
من حيث الوقت، أنا لست متفرغا لانشغالي بقيادة التريلة، لكن أستطيع تأليف قصة خلال يوم واحد لو تفرغت لها وغالبا أنجز ذلك أثناء عملي، وخاصة عندما أكون على الطريق السريع أثناء قيادة الشاحنة.
أظل أفكر في القصة، وبعدها أدون الأفكار حتى لا أنساها، ثم أعود لترتيبها.
أحيانًا أحتاج يومين أو ثلاثة لإنهائها بسبب ضغط العمل، فإذا وصلت إلى عملي أنشغل، وبعد أن أنتهي أعود وأكمل ترتيب القصة.
التعويذة والكفر السعودي وعشق البدوية.
لدي الكثير من الحكايات التي صارت شهيرة، من بينها قصة “الجرية – تعويذة” التي حدثت معي في السعودية، عندما كنت أحمل ذلك الشيء وتم اعتقالي والتحقيق معي يوما كاملاً بسبب سوء فهم وبعض المحققين اتهمني بالشرك والكفر!
أنا من مواليد 1977، ولدي العديد من قصص الطفولة.
جميع القصص عليها تفاعل كبير من المتابعين وألاحظ أن كل قصة أنشرها تكون أفضل من التي قبلها.
من بين هذه القصص قصة تعود إلى عام 1987 مع البدوية السعودية، ففي ذلك الوقت لم تكن هناك حدود أو تقيد بجوازات سفر، وكان السعوديون يأتون إلى العراق بسهولة، واستمر ذلك حتى نهاية عام 1989، وبعدها توقف العبور.
قصة “عشق البدوية” هي من أكثر القصص شهرة، وقد أطلق كبار السن هذا الاسم عليها، وهي أكثر قصة انتشرت بين المتابعين.
أغلب المتابعين هم من جيلي، السبعينات والثمانينات، لأنهم عاشوا هذه المرحلة واختبروا المواقف نفسها.
لم أتواصل مع مخرجين أو جهات إنتاجية بسبب انشغالي الدائم بعملي، فأنا بالكاد أجد وقتا لأهلي لكن لو توفرت لي فرصة للتواصل فلن أرفضها، بالعكس أتمنى ذلك، إلا أنني لم أحصل على فرصة حقيقية حتى الآن، ولم يتواصل معي أحد بهذا الشأن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك