لا يُختزل شهر رمضان في مصر في كونه زمنًا للعبادة والصيام فقط، بل يتجلى باعتباره فضاءً ثقافيًا تتداخل فيه الطقوس الدينية مع الممارسات الاجتماعية والفنون الشعبية، بما يمنحه طابعًا خاصًا ومتفردًا.
ومن بين هذه الممارسات، يحتل المسحراتي مكانة رمزية فريدة، إذ ارتبط صوته الليلي وإيقاع طبلته المنتظم بذاكرة السحور والطمأنينة الجماعية.
فالمسحراتي ليس مجرد شخص يؤدي وظيفة عملية، بل هو نتاج مسار تاريخي طويل يعكس تفاعل الدين مع المجتمع، وانتقال الطقس من التنظيم المؤسسي إلى التعبير الشعبي الحي، ولفهم أبعاد هذه الظاهرة، لا بد من تتبع جذورها التاريخية وتحولاتها الاجتماعية عبر العصور.
الجذور التاريخية للتنبيه للسحور.
تعود فكرة التنبيه إلى وقت السحور إلى عهد النبي ﷺ، إذ أمر النبي ﷺ أن يؤَذَن قبل الفجر لتنبيه الناس إلى قرب الإمساك، بينما كان يؤَذَن عند طلوع الفجر.
فقد قال رسول الله ﷺ: " إذا أذَّنَ عَمْرٌو فكُلوا واشرَبوا؛ فإنَّهُ رَجُلٌ ضَريرُ البَصَرِ، وإذا أذَّنَ بِلالٌ فارْفَعوا أيديَكم؛ فإنَّ بِلالًا لا يُؤَذِّنُ -كذا قال- حتى يُصبِحَ".
ما يدل على التنظيم المبكر لوقت السحور ووضع الأساس لممارسات لاحقة اعتمدت على التجوال في الشوارع لإيقاظ الناس.
التنظيم الرسمي وبداية ظهور المسحراتي.
بدأ التوثيق التاريخي للمسحراتي كمهنة منظمة في العصر العباسي في مصر (238 هـ / 853 م).
وكان عتبة بن إسحاق الضبي، والي مصر، يتجول شخصيًا من مدينة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص، مرددًا: " يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة".
ثم أصبحت مهمة التسحير رسمية في العصر الفاطمي (386–411 هـ / 996–1021 م)، إذ أمر الحاكم بأمر الله بالنوم المبكر بعد التراويح، وكلف الجنود بإيقاظ الناس، ثم تم تعيين شخص مخصص أُطلق عليه اسم" المسحراتي".
وفي هذه المرحلة لم يكن هناك استخدام موسيقي، وكان الإيقاظ يعتمد على الطرق بالعصا على الأبواب فقط.
اكتسبت مهنةُ المسحراتي في العصر المملوكي – ولا سيما في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون – طابعًا مصريًا أصيلًا، إذ شهدت آنذاك تطورًا نوعيًّا في تنظيمها وأدائها.
ويُنسب إلى أبي بكر محمد بن عبد الغني المعروف بابن نقطة، تأسيسُ نقابة أو طائفة للمسحراتية، كما ابتكر استخدام" البازة" – وهي طبلة صغيرة – لضبط إيقاع منتظم يرافق جولاته الليلية، إلى جانب إدخال فن" القوما"، وهو لون من الشعر الشعبي المسجوع يشتمل على تسابيح ومدائح نبوية ونداءات شخصية موجَّهة إلى الأحياء والأطفال.
وقد أضفى هذا التطور طابعًا تفاعليًا على المهنة؛ إذ لم يعد المسحراتي مجرد منادٍ للسحور، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في مشهد احتفالي حي، يشارك فيه الجمهور بالإنشاد والترديد، فتتحول الجولة الليلية إلى مساحة تجمع بين التدين الشعبي والتعبير الثقافي الجماعي.
ووفقًًا لما سجله المستشرق الإنجليزي إدوارد وليام لين، الذي أقام في مصر بين عامي ١٨٣٣و١٨٣٥م في عهد محمد علي باشا، كان المسحراتي يجوب كل ليلة من ليالي رمضان الشوارع لينشد المدائح أمام منازل المسلمين القادرين على مكافأته.
وقد كان لكل حارة صغيرة في القاهرة المسحراتي الخاص بها، يحمل في يده اليسرى بازًا صغيرًا، وفي اليمنى عصًا أو سوطًا، ويرافقه صبي يحمل قنديلين مثبتين في إطار من أعواد النخل لإنارة الطريق.
وكان المسحراتي يتجول قبل موعد الإمساك بنحو ساعة ونصف تقريبًا لإيقاظ السكان في المنازل المكلَّف بها، في حين يضطلع بواب الحي بمهمة مماثلة داخل نطاقه.
وعند كل منزل، كان يتوقف ويضرب الطبلة ثلاث ضربات، ثم ينشد المدائح النبوية مرددًا: " اصحَ يا غفلان وحد الرحمن، محمد رسول الله"، ويذكر اسم صاحب المنزل، ويحيي أفراد الأسرة – باستثناء النساء – بالأسلوب نفسه، مع ذكر أسماء الأبناء والبنات الشابات، ويختتم إنشاده بالدعاء: " ربنا يحفظك يا كريم في كل سنة".
وعند أبواب الأغنياء، كان يروي قصصًا عن المعجزات، ضاربًا على طبلته بعد كل جملة، بينما يتجاوز المنازل المتشحة بالسواد حدادًا.
أما نساء الطبقة المتوسطة فكنّ يضعن قطعةً نقدية صغيرة داخل ورقة، ثم يُشعلن طرفها لتكون شعلةً هادية ترشد المسحراتي إلى موضعهن في الظلام، فيتقدم نحو البيت، ويتلو سورة الفاتحة، ويقصّ حكاية قصيرة غير موزونة القافية بقصد تسلية السامعين وإضفاء مسحة وجدانية على المشهد الرمضاني.
المسحراتي بين التراجع الوظيفي والاستمرار الرمزي.
يواجه المسحراتي واقعًا مغايرًا تمامًا الآن لما عرفه في العصور السابقة؛ فقد انتفت الحاجة العملية التي كانت تبرّر وجوده، في ظل انتشار الساعات الرقمية، والهواتف المحمولة، وتطبيقات التنبيه، ووسائل الإعلام التي تبث مواقيت الإمساك والسحور بدقة متناهية.
لم يعد الاستيقاظ مرتبطًا بصوت الطبل في الحارة، بل بإشعار إلكتروني فردي، وهو ما يعكس تحوّلًا في نمط الحياة من الجماعية إلى الفردانية، ومن الإيقاع المشترك إلى الإيقاع الشخصي.
ومع ذلك، لم يختفِ المسحراتي تمامًا، بل أعاد تموضعه داخل المجال الثقافي بوصفه عنصرًا احتفاليًا أكثر منه ضرورة حياتية.
ففي بعض الأحياء الشعبية والقرى، ما زال حضوره قائمًا بوصفه جزءًا من المشهد الرمضاني التقليدي، بينما يظهر في المدن الكبرى غالبًا في إطار استعراضي أو تنظيمي، كأن يُستدعى في الفعاليات الثقافية، أو العروض التراثية، أو المبادرات المجتمعية التي تسعى إلى إحياء الطقوس القديمة.
كما أسهمت الدراما التلفزيونية والبرامج الرمضانية ووسائل التواصل الاجتماعي في إعادة إنتاج صورته بصيغة جديدة؛ فصار شخصية تُستدعى في الإعلانات، والأعمال الفنية، والمحتوى الرقمي، بوصفها رمزًا بصريًا وصوتيًا لرمضان.
وهنا انتقل حضوره من الشارع الضيق إلى الفضاء الإعلامي الواسع، ومن الأداء المباشر إلى التمثيل الرمزي.
ويكشف هذا التحول عن تغير عميق في علاقة المجتمع بتراثه؛ فالمسحراتي في الألفية الثالثة لم يعد فاعلًا أساسيًا في تنظيم الوقت، بل أصبح حاملًا لذاكرة زمنٍ كانت فيه الحياة أكثر بساطةً وتشاركية.
إن استمراره اليوم – ولو بصيغ محدودة أو رمزية – يعكس رغبة جماعية في الحفاظ على ملمح من ملامح الهوية الثقافية، حتى وإن تبدلت شروط وجوده ووظيفته الأصلية.
وختامًا في ضوء استعراض المسار التاريخي للمسحراتي وتحولاته وصولًا إلى حضوره في الألفية الثالثة، يتضح أن هذه الشخصية لم تتوقف عند حدود زمنها الوظيفي، بل واصلت إعادة تعريف ذاتها داخل البنية الثقافية للمجتمع المصري.
فكل مرحلة زمنية لم تُلغِ ما قبلها، بل أعادت صياغته وفق احتياجاتها ورؤيتها، حتى استقر المسحراتي في موقعه الراهن بوصفه رمزًا أكثر منه ممارسةً ضرورية.
إن تحوله من أداة تنظيم يومي إلى علامة ثقافية يعكس قدرة المجتمع على تحويل الطقس إلى تراث، والوظيفة إلى دلالة، والصوت العابر في الليل إلى جزء من ذاكرة جمعية راسخة.
وفي عالم تتسارع فيه وتيرة التحديث وتغلب فيه الوسائل التقنية على أنماط الحياة التقليدية، يظل حضور المسحراتي — ولو رمزيًا — شاهدًا على أن بعض الممارسات لا تستمر بقوتها العملية، بل بقيمتها المعنوية وما تحمله من معاني الانتماء والتواصل والحنين.
وبذلك يغدو المسحراتي تجسيدًا حيًا لكيفية تشكّل الرمز الفلكلوري ليس باعتباره بقايا من الماضي، بل باعتباره عنصرًا ثقافيًا أعاد المجتمع إنتاجه ليحفظ به ذاكرته الرمضانية ويؤكد من خلاله استمرارية هويته عبر الزمن.
باحثة دكتوراه كلية الآداب جامعة بنها.
عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك