كانت سيناء على الدوام جزءًا لا يتجزأ من مصر، وخاضعة لإدارة عسكرية تنطلق من القاهرة، مع إبراز دورها التاريخي كحاجز دفاعي شرقي للبلاد.
عُمِّرت شبه جزيرة سيناء وعُرفت لدى شعوب الشرق الأوسط القديم منذ آلاف السنين.
وقد شكّلت عبر التاريخ معبرًا بريًا يربط بين آسيا وأفريقيا، واصلةً حضارة مصر الفرعونية بحضارات بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام.
وعلى الرغم من تعاقب الجيوش الغازية عليها واستعادتها مرارًا في الاتجاهين، فإن سكانها بقوا بعيدين عن الخضوع المباشر لسلطة مركزية آنذاك.
ومع ذلك، ظلت سيناء تُعد جزءًا من مصر، وهو ما أقرّ به المؤرخون منذ بدايات العصور الوسطى.
مثّلت سيناء عبر التاريخ الدرع الشرقي للحضارة النيلية، حيث كانت تسهم في صدّ الغزاة أو على الأقل إضعافهم قبل بلوغهم وادي النيل.
ويبدو أن المستوطنات التعدينية الفرعونية المحدودة في شبه الجزيرة، حتى في فترات ازدهارها، لم تكن ذات إنتاجية مرتفعة، ما جعل قيمتها الاقتصادية للفراعنة محدودة نسبيًا.
وعلى الأرجح، استُخدمت تجمعات العمال الصغيرة هناك كمواقع عقابية، إلى جانب دورها كمحطات إنذار مبكر ترصد أي تهديد قادم من الشرق.
ومع تعاقب العصور، تكرّس الوعي بالأهمية الجيوسياسية لسيناء في حماية مصر، فحرصت السلطات التي حكمت من ممفيس ثم القاهرة على إقامة التحصينات على امتداد الطرق البرية الشرقية لضبط المنافذ المؤدية عبر شبه الجزيرة.
كما تشهد المباني واللقى الأثرية المنتشرة في صحاري سيناء، والتي يعود بعضها إلى العصر الفرعوني، على عمق واستمرارية الروابط الاقتصادية والسياسية والإدارية، فضلًا عن الثقافية والدينية، التي ربطت سيناء بمصر على امتداد وادي النيل.
أقرت السلطة المركزية في القاهرة على الدوام بالاختلاف العرقي بين السكان البدو الأصليين في سيناء وأهالي وادي النيل.
ومن ثمّ، انصبت السيادة المصرية على إحكام السيطرة على طرق التجارة الرئيسة العابرة لشبه الجزيرة عبر إقامة سلسلة من الحصون المأهولة على امتدادها، وهو ما تؤكده الشواهد الأثرية المنتشرة في سيناء.
وقد أسهم هذا النهج في صون البنية الاجتماعية والثقافية البدوية المحلية والحفاظ عليها عبر القرون.
لم يُطرح التساؤل حول الحاكم الشرعي لسيناء إلا في القرن التاسع عشر.
ففي تلك الفترة، رسّخ محمد علي، والي مصر، سلطته على ولايته العثمانية في وادي النيل، متحديًا نفوذ السلطان في إسطنبول ومقرّبًا مصر من وضع الحكم الذاتي الفعلي.
وخلال العقود الأولى من ذلك القرن، أطلق محمد علي مشروعًا واسعًا لتحديث البلاد، أفضى إلى بروز قوة عسكرية وسياسية جديدة في شرق البحر المتوسط، قادرة على موازنة نفوذ الحكومة المركزية للإمبراطورية العثمانية.
مثّل عبور نابليون لسيناء وحملات محمد علي على بلاد الشام إيذانًا ببداية العصر الحديث، كما عكسا إدراكًا مبكرًا للأهمية الاستراتيجية لسيناء في حماية الحدود الشرقية لمصر.
وفي هذا السياق، عمل محمد علي على تقليص نفوذ القبائل البدوية وضمان ولائها لسلطته، معززًا حضوره العسكري عبر ترميم حصون سيناء وتزويدها بالحاميات، وتحسين طرق القوافل، وتنظيم خدمات بريدية منتظمة.
وقد شكّلت هذه الإجراءات خطوات تمهيدية نحو الانفصال الفعلي لمصر عن الإمبراطورية العثمانية في عهده.
وبعد أن وطّد حكمه في مصر، أطلق محمد علي سلسلة من الحملات العسكرية على فلسطين وسوريا، حتى بلغت قواته البحرية حدّ تحدّي الدولة العثمانية ذاتها، ولم يتوقف توسعه إلا بتدخل القوى الأوروبية التي سارعت إلى دعم العثمانيين.
في أعقاب تلك الحروب، عمل محمد علي على تثبيت أركان حكمه في مصر وترسيخ أسس سلالته التي استمرت في السلطة حتى إعلان الجمهورية عام 1953.
ومن ثمّ، برزت الحاجة إلى تحديد حدود فاصلة بين مملكته وسائر أراضي الإمبراطورية العثمانية.
وخلال أربعينيات القرن التاسع عشر، جرت تحركات سياسية متبادلة؛ إذ سعت مصر إلى تأكيد وقوع سيناء ضمن حدودها الدولية، في حين تحركت إسطنبول لإضعاف هذا الموقف.
وجاء فرمان السلطان عام 1841م، الذي أقرّ لمحمد علي بحقوق وراثية في حكم مصر، متضمنًا خريطة تحدد الحدود الإدارية لولاية مصر بخط مائل يمتد من رفح إلى السويس، بما يفيد أن ما يقع شرق هذا الخط لا يدخل ضمن الحدود الرسمية للولاية.
غير أن الواقع العملي كان مغايرًا؛ فقد ظلت مصر تتولى مسؤولية جميع الحصون القائمة على طريق الحج القادم من شمال أفريقيا، ولم يقتصر ذلك على حصون سيناء الواقعة شرق الخط الإداري فحسب، بل شمل أيضًا حصون الحجاز الممتدة على طول الطريق.
ولم تتخلَّ مصر عن سيادتها على حصون الحجاز إلا بعد صدور فرمان عام 1892م الذي نصّب عباس حلمي الثاني خديويًا على مصر.
أفضى افتتاح قناة السويس إلى توجيه أنظار القوى الإمبريالية الأوروبية المتنافسة نحو مصر وتعزيز أطماعها الاستعمارية فيها.
وقد أدركت بريطانيا أن إحكام السيطرة على هذا الممر الملاحي، الواصل بين البحرين المتوسط والأحمر، يمثل شريان الاتصال الأساسي مع مستعمراتها في الشرق.
ومن ثمّ، غدت القناة وسيناء المجاورة لها عنصرين حاسمين في تأمين خطوط المواصلات الإمبراطورية وضمان استمرار التفوق البحري البريطاني في مواجهة القوى الاستعمارية الأخرى.
ومع تفاقم ما عُرف بـالمسألة المصرية (Egyptian Question) عقب إفلاس البلاد نتيجة الإسراف والفساد، فُرضت الرقابة الثنائية الفرنسية–البريطانية على الشؤون الداخلية لمصر.
ثم جاءت الثورة التي قادها أحمد عرابي لتمنح بريطانيا الذريعة للتدخل العسكري، فغزت مصر واحتلتها عام 1882م.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك