لرمضان طقوسٌ دافئة لا تُشبه سواه؛ يجيء محملا بنفحات السكينة، تتبدل معه إيقاعات البيوت، وتلين القلوب كما لو أنّها تستعدّ لضيف كريم.
قبل أن يعلن الهلال حضوره، تبدأ ملامح الفرح فى التشكل: تنظيف الشرفات، تبادل التهانى، وانتظار اللحظة التى تتزين فيها الشوارع احتفاء بالشهر المبارك.
كانت زينة رمضان قديما حكاية تصنع بالأيدى لا تشترى جاهزة كنا، ونحن صغار، نطوف البيوت نجمع بضع قروش، نخطط ونحسب، ثم نشترى الخيط وبعض النشا لنصنع منه صمغا بسيطا نلصق به الورق، نفرد الخيط بين الجدران ونعلق عليه ما قصصناه بأصابع متحمسة، نجوما، وقباب مساجد تشبه ما فى خيالنا أكثر مما تشبه الواقع.
كان لكل شارع زينته، ولكل حى بصمته، وكأن منافسة حميمة تنعقد كل عام: من يبتكر شكلا أجمل؟ ومن يملأ ليل الحارة ألوانا أكثر بهجة؟اليوم تغيّرت الصورة؛ صارت فروع الزينة تُشترى جاهزة، ملونة ومصنوعة بإتقان، لا يتجاوز دورنا فيها سوى تعليقها بين الشرفات وأعمدة الإنارة، وحلت أفرع الأنوار اللامعة محل الورق الملون، فأضاءت الشوارع بأشكال حديثة تعبر عن الفرح ذاته، وإن اختلفت الوسيلة.
بين الأمس واليوم يبقى رمضان هو المعنى الثابت؛ تتغير الأدوات، لكن تبقى الرغبة فى الاحتفال، ويظل الضوء ـ أيا كان مصدره ـ شاهدا على فرحة القلوب بقدوم الشهر الكريم.
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن عادة إنارة المساجد فى رمضان تعود إلى عصور مبكرة من التاريخ الإسلامى، فبحسب كتاب «دليل الأوائل» للكاتب إبراهيم مرزوق، يذكر أن الصحابى تميم بن أوس الدارى كان من أوائل من أضاء المساجد بالقناديل المملوءة بالزيت، خاصة فى يوم الجمعة.
كما توثق دراسات أخرى مظاهر الاحتفال بشهر رمضان فى القرون الهجرية الأولى؛ إذ يورد كتاب «أبو بكر الجصاص: الإجماع دراسة فى فكرته» – بتحقيق الدكتور زهير شفيق كبى – إشارات إلى احتفاء المسلمين بالأعياد ورمضان فى القرن الرابع وأوائل الخامس الهجرى، حيث ظهرت تقاليد تزيين الشوارع وإضاءة الساحات.
وتذكر بعض الروايات أن الخليفة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ اهتم بإنارة المساجد مع دخول رمضان لتيسير إقامة صلاة التراويح وإحياء الشعائر.
وفى العهد العثمانى، يروى أن السلطان أحمد فى" الأستانة"، أمر بإضاءة المساجد بالمصابيح والمشاعل حتى بدت سماء إسطنبول كأنها مرصعة بالنجوم.
كما نقل عن بعض علماء الأزهر القول إن على بن أبى طالب كان من أوائل من زيّن المساجد بالأنوار فى رمضان، فى صورة مبكرة لما نراه اليوم من مظاهر الزينة فى الشوارع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك