على مدي الأزمان، كان للمصريين عاداتهم وتقاليدهم المتميزة في استقبال شهر رمضان المبارك، من حيث الاحتفالات التراثية العريقة التي تضرب بأصولها في جذور الزمان، حيث تتعانق الروحانيات الدينية بمظاهر احتفالية فريدة تنبض بالحياة.
لم تكن ليلة الرؤية قديمًا خبرًا عابرًا يُذاع، بل كانت حدثًا عامًا تُفتح له النوافذ قبل القلوب.
فمنذ أن جمع الخليفة عمر بن الخطاب الناس على إمامٍ واحد فى صلاة التراويح حوالى سنة 18هـ / 639م (استنادًا إلى صحيح البخاري والموطأ)، صارت الليالى الأولى من رمضان موعدًا لاستعادة معنى الجماعة، حيث تمتلئ المساجد بالمصابيح، ويتردد القرآن فى الأزقة كما لو أنه نشيد مدينة كاملة.
تشير كتب التراث، ومنها المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، إلى أن القاهرة الفاطمية تحت حكم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي (975–996م) كانت تستقبل الشهر بزينة تُعلّق فى الشوارع، وفوانيس تُضاء فى الحارات، حتى بدا الليل نفسه وكأنه يرتدى ثوبًا احتفاليًا.
ولم يكن المسحراتى، الذى جاب الطرقات منذ العصور العباسية، مجرد مُنبّه بشرى، بل حلقة وصل بين البيوت، يطرق الأبواب بأسمائها، ويوقظ فى الناس إحساس المشاركة قبل أن يوقظهم للسحور (استنادًا إلى النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي).
كانت التفاصيل صغيرة فى ظاهرها، لكنها عظيمة فى أثرها؛ إذ صنعت ذاكرةً جمعية ترى فى الهلال بداية زمنٍ مختلف، لا مجرد تغيرٍ فى التقويم.
ولم تكن الأصوات وحدها ما يصنع المشهد؛ فقد ارتبط إعلان الرؤية فى العصور المختلفة بمراسم رسمية وشعبية معًا.
كانت مواكب القضاة والعلماء تخرج لتحرى الهلال، ثم يعود الخبر إلى الناس فتتحول الساحات إلى فضاءات تهنئة، وتتبدل ملامح الليل فى لحظات.
وفى القاهرة المملوكية والعثمانية كانت الأسواق تُمدّ ساعات عملها فى الليلة الأولى، وتضاء المشاعل على أبواب الحوانيت، وكأن المدينة كلها تعلن دخول زمنٍ مغاير.
أما التراويح، فكانت تُقرأ فيها ختمات كاملة فى بعض المساجد الكبرى، ويتنافس القراء فى حُسن الأداء، حتى غدا صوت القرآن علامةً سمعية للشهر لا تخطئها الأذن.
وفى الأزقة، كانت الزينة تُصنع يدويًا من الورق والقماش، يشارك فيها الصغار قبل الكبار، فيتعلم الطفل معنى الانتماء قبل أن يعرف معنى الطقس.
لم تكن الزينة سلعةً تُشترى، بل فعلًا جماعيًا يُنجز، ولا كانت التراويح مجرد صلاة، بل موعدًا يوميًا لتجديد العهد بين الناس وربهم.
وحتى مدفع الإفطار، الذى بدأ فى عهد السلطان المملوكي" خُشقدم" عام 1460 ميلادي الموافق 865 هجري، أراد السلطان أن يجرب مدفعًا جديداً وصل كهدية له من مصنع ألماني وصادف إطلاق المدفع مع وقت المغرب في أول يوم من شهر رمضان، الحادثة التي ظنها العامة مقصودة لإعلامهم وتنبيههم إلى موعد الإفطار، ولكن في اليوم التالي لم يطلق المدفع في موعد أذان المغرب، فتوجه الأهالي إلى قصر الحاكم مطالبين بإطلاق المدفع، ولكون القاهرة مدينة مترامية الأطراف فإن الأذان لا يسمع فيها بنفس التوقيت، فاستحسن الأهالي فكرة إطلاق المدفع فى وقت الغروب، ليكون إشارة على بدء موعد الإفطار.
كانت ليلة الرؤية بوابة لمدينة تتحول، لا فى مظهرها فحسب، بل فى إيقاعها الداخلى؛ زمنٌ تُعلَّق فيه الزينة على الجدران، وتُضاء الفوانيس فى الشوارع، ويُضاء معها شىءٌ فى القلوب.
واليوم، وإن تبدلت الوسائل، وخفُتت بعض الأصوات، وتراجعت ملامح كانت يومًا نابضة فى الأزقة، يبقى السؤال معلقًا بين جيلين: هل اختفت الطقوس فعلًا، أم تبدلت صورها فقط؟ ربما لم يعد الهلال يُستقبل بالمواكب ذاتها، ولا تُصنع الزينة بالأيدى نفسها، لكن ما دام فى القلب شوقٌ إلى تلك اللحظة الأولى، وما دام صوت التراويح ما يزال قادرًا على جمع الناس صفًا واحدًا، فإن شيئًا من ذلك التاريخ لا يزال يقاوم الفناء.
فليلة الرؤية ستظل منطقةً وسطى بين ما كان وما سيكون، نحمل إليها ذاكرتنا، ونخرج منها بعهدٍ متجدد: أن نحافظ على روح الشهر، ولو تغيّرت الأشكال، وأسرعت الأزمنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك