حرص الإسلام على آداب الضيافة، وتبنى موقفًا صارمًا تجاه التطفل والطفيليين، ومع ذلك فقد تفشت ظاهرة التطفل في مجتمعات العالم الإسلامى بأسره، باعتبارها إحدى ثمار الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية التي أصابتها.
فقد دفع ذل الفقر بعض الناس إلى الإتيان بما يخالف أخلاق المروءة، ويهدر حياءهم.
والأصل في التطفل قائم على إهدار حياء المتطفل، إذ كان يغشي الولائم والأعراس دون دعوة أصحابها، بل ربما كان لا يعرفهم أصلًا، مما دعا العرب كما يذكر أبو بكر البغدادي صاحب كتاب" التطفيل وحكايات الطفيليين وأخبارهم" إلى تسمية الطفيلي بالرائش والوارش، أي من يدخل على القوم دون دعوة منهم، وهم يطعمون، وكذلك الواغل، وهو الذي يدخل على أناس وهم يشربون.
وقد اشتق مصطلح التطفل كما يذكر الأصمعي من طفيل، وهو أحد أهالي الكوفة من عرب غطفان، كان يأتى الولائم بدون أن يدعى إليها.
ويتبين من الأمثال العامية الأندلسية التي جمع بعضها الزّجالى في كتابه" أمثال العوام في الأندلس"، أن الطفيليين كانوا يسعون دائمًا وراء الطعام غاضين الطرف عن صاحبه أو حتى مصدره، يدفعهم إلى ذلك خواء جوفهم، مما يؤكد أثر الاضطرابات الاقتصادية في ذلك، ومن أمثال الأندلسيين في هذا الصدد" بطنك يذلك، أي صناع تشكلك"، وهو يُقال في الطفيلي الذي تهينه معدته، وتدفعه إلى أكل كل ما يجد، ولذلك نراه يحرص على حضور كل الولائم دون دعوة.
وكانت المناسبات الدينية الإسلامية، كالأعياد والحج، والاجتماعية كالعرس والختان، بالإضافة إلى جهود وجهاء أهل الأندلس وزهادهم ورهبانهم، لاحتواء آثار الاضطرابات الاقتصادية مناسبات للطفيليين، لممارسة عاداتهم.
فعندما وزع الخليفة الحكم المستنصر (300- 366هـ)، والحاجب المنصور محمد بن أبى عامر (368 - 392هـ) الخبز أثناء المجاعات التي وقعت بالبلاد في عهديهما، وجدنا الطفيليين يستفيدون منه مثل غيرهم من الضعفاء والمحاويج.
كما رتب بعض الطفيليين أنفسهم على تناول طعام العشاء مع المساكين كل ليلة عند الوجيه ابن مدراج الطليطلي، فقد كان يطلب من أهله كما ذكر القاضى عياض زيادة المرق تحسباً لمجئ مزيد من المساكين، فكان" يأكل من عشائه المسكين والمساكين كل ليلة، حتى كان أهله يقولون له: ليس ثم مرق ما تعم به كل من جاء، فيقول: ألم يكن معك الماء فتكثرين من المرق ليعم مَنْ جاء".
واستفاد بعض الطفيليين بحصن الفهمين Alfamin من الطعام الكثير الذى كان يصنعه الزاهد الورع هشام بن محمد بن سليمان لأهل الحصن ولمن حضره من المرابطين في عيد الفطر.
ويستفاد من رواية للونشريسي في كتابه" المعيار المعرب" أن طعام العُرس كان يأكل منه أهل العروسين، وغيرهم، أي المدعوين.
وكان بعض هؤلاء المدعوين من الطفيليين كما يتضح من المثل العامى" يرقص ولا يدرى في عرس مَنْ".
ولم يفد الطفيليين الأندلسيين من الأعياد والمناسبات الإسلامية فحسب، إنما أفادوا أيضا من أعياد أهل الذمة وطقوسهم.
فالمصادر تذكر أن وطأة الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية دفعت بعض المسلمين لأخذ ما يذبحه النصارى لكنائسهم وأعيادهم، ولقد أفتى الفقيه عبد الملك بن حبيب بكراهية ذلك قياساً على رأي الإمام مالك بن أنس - وكان أهل الأندلس على مذهبه - حيث قال: " لا ينبغى لمسلم أن يأخذه - طعام النصارى - ولا يأكله، لأنهم عملوه تعظيماً لشركهم".
ومن المحتمل أن هذه النواهى لم تمنع الطفيليين من التطفل على بعض دور العبادة المسيحية كدير أرملاط بقرطبة، وكنيسة الغراب، للاستفادة مما تقدمه من ضيافة للمجتازين بها، فالإدريسى يذكر عن هذه الكنيسة" ولا سبيل لأحد من المجتازين بها أن يخرج منها حتى يأكل من ضيافة الكنيسة ضريبة لازمة وسيرة دائمة لا ينتقلون عنها ولا يتحولون منها، ورثها الخلف من السلف، أمر معتاد متعارف دائم.
وبها أموال مدخرة وأحوال واسعة، وأكثر هذه الأموال مُحبسة عليها في أقطار الغرب وبلاده، وينفق منها على الكنيسة وخدامها، وجميع من يلوذ بها مع ما يكرم به الأضياف الواردين على الكنيسة قلوا أو كثروا".
وكان للطفيليين الأندلسيين عادات كثيرة، منها: أن بعضهم كان لا يكتف بأكل كل ما يُقدم له من طعام، بل كان يحمل معه طعام غيره قبل انصرافه إلى بيته، يدل على ذلك أحد أمثال العوام" بحل طفيلى ياكل ويعبى"، أى يأخذ ويحمل إلى بيته.
ومن عاداتهم أيضا: الشره والنهم للطعام، وقد سبب ذلك لبعضهم عدة مخاطر صحية، كان أقلها التخمة، وأخطرها الوفاة، فابن عبد ربه يذكر" ولبعض المتأخرين في رجل مات من أكلة أكلها في شعر له فيه:
يا من جنت كفه على جسده لا رحمك الله يا قتيل يده.
ولقد استلهم العوام الأندلسيين ذلك في أمثالهم، فقالوا: " من مات من شبعة لا أقامه الله منها".
وذكر ابن الكتانى في كتابه" التشبيهات: أن القاضى ابن أبى عيسى قد صور بصدق مدى اشتياق أحد الطفيليين إلى الطعام بقوله:
يحن إلى طيبات الطعام حنين الرضيع إلى الوالده.
وأركان لقمته سته كأن له إصبعاً زائده.
ولقد شغل ذلك جُل تفكيرهم، ولم يعودوا إلى التفكير في غيره، فالعامة تقول: " كم هى ست وست؟ قالت اتنعشر خبزه".
كما أن بعض الطفيليين كان ثقيلاً يُكثر من زيارة ندمائه، ويبدو أن أحد الندماء أظهر عدم الملل من كثرة الزيارات وإن ظهر عليه غير ذلك، مما دعا الشاعر سعيد بن جهير البلكونى وكان خبيث الهجاء إلى كشف أمره بقوله:
تثقل بالزيارة كل يوم وتزعم أن شخصك لا يمل.
وكان بعض الندماء ينكرون وجودهم إذا علموا بوصول هؤلاء الطفيليين الذين اعتادوا كثرة التردد عليهم، خاصة في المساء انتظاراً لتناول العشاء، يتضح ذلك من شعر لعبيد الله بن إدريس جاء فيه:
أتيتك من بعد العشاء فلم أصل كأنى آت لانتظار عشائكا.
أتحسبنى أرضى لنفسى بموقف أبيعك فيه ذلنى باعتنائكا.
ومن عادات الطفيليين الذميمة أيضا: التجسس على أخبار الناس ومعرفة عيوبهم، لنقلها إلى الندماء، ليتلهوا بها مقابل المأكل والمشرب، فابن حيان القرطبي يتحدث عن أحد هؤلاء الندماء، فقال: " وبطانته كل بطال ماجن ومأفون عائب، يرضون منه بالكسرة والعرق، جريئين على تمزيق أهب الخلق، يتجسسون له عن أخبارهم، ويهدون إليه معايبهم، بها يعمر مجلسه، وينفي ساعات كسله، وبنوادرها يهز مزهره، وترسل النغم عليه رياح ضلوعه".
ويتضح من بعض النصوص الشعرية ما كان ينتاب الطفيليين من حالات غضب وغليان، إذا ما قصرت يدهم عن الطعام وهو منهم قريب، وشدة سعادتهم عند ظفرهم به، وفي ذلك يقول الشاعر الهزلي محمد بن شخيص القرطبي:
وإذا ما انقضى صنيع ولم أد ع إليه في جملة الجيران.
عرضت لى وساوس لو أصابت قلب غيرى لشد في الأكفان.
ولو أنى شهدته كان عندى كشهودى لبيعة الرضوان.
كما أشارت نصوص غيرها إلى وسائلهم الخاصة للكشف عن أماكن وجود الطعام، باستخدام حاستى الرؤية والشم، فعبد الله بن فرح يصف طفيلى بقوله:
أفديك من متوجد غضبان يقتاده شمُ القتار بأنفه.
وعلا الدخان بشنت بوله مربياً حتى يلوح له ضباب ودخان.
مثل اقتياد النجم للحيران ينبيه أين مطابخ الأخوان.
غير أن بعضهم كانوا لا يصبرون على قلة الطعام وعدم توفره، ويعذبهم الجوع إلى حد تمنى الموت، تخلصاً من عذابه، يتضح ذلك من قول العامة على لسان بعضهم" دنيا بلا أكل، أخرى أخير منها".
ومن الطريف أن الطفيليين لم يكن لديهم حدود عند إقبالهم على الطعام، بمعنى أنه رغم تعود بعضهم على أكل رقيق الطعام، إلا أنهم كانوا لا يهتمون بذلك عند اشتداد الجوع بهم، بل كانوا يلتهمون كل ما يقابلهم، فالذي يهمهم هنا في المقام الأول هو سد رمقهم، فالعامة تقول كما ذكر ابن عاصم الغرناطى في كتابه حدائق الأزاهر: " طجون أحسن من الجوع".
وكانت أمراض المعدة وفشل علاجها وراء شهرة بعض الناس بالنهم والتطفل، فقد وصف ابن حيان أحد الأندلسيين بالنهم رغم ضآلة جسمه، وضعفه ومعاناته للأسقام في المعدة والأمعاء، ومن هذه الأمراض دود المعدة، ومنها ما يسمى حب القرع، ويذكر ابن حيان أيضا أن بعض المرضى بهذا الدود كالفقيه محمد بن تمام الطليطلي ( ت 400 هـ ) كانوا يعالجونه بشرب السمن والعسل لطرده.
ونضيف إلى ما تقدم نوع آخر من التطفل وهو ما يعرف باسم" طعام الفجاءة" أى الطعام الذى كان يأكله الزائر لقوم بدون موعد سابق وهم يأكلون، إنما دعوه إليه استحياء منه على كراهية منهم.
ولقد تفاوتت فتاوى الفقهاء المالكية حول طعام الفجاءة، فكل من محمد بن القاسم وابن وهب أفتى أنه حسن جميل أن يأكل الزائر إذا دعوه، وإن لم يدعوه فلا يأكل، أما ابن رشد القرطبي فقد أفتى بنفس الفتوى، ولكنه ترك شيئاً لنباهة المدعو وتقديره" فإن ظهر إليه منهم استبشارهم وسرورهم بأكله معهم، استحب له أن يجيبهم إذا دعوه، وإذا ظهر إليه منهم أن كرهوا غشيانه إياهم وهم يأكلون، وإنما دعوه استحياء منهم، كره له أن يجيبهم، وإن لم يتبين له أحد الوجهين كان له أن يجيبهم من غير استحباب ولا كراهية".
وأعتقد أن كثيراً من الناس قد استحلوا طعام الفجاءة، ولم يراعوا الموانع الفقهية، ولا آداب الزيارة، وكان ذلك نوع من التطفل، يؤيد هذا التخريج قول عوام الأندلس في أحد أمثالهم: " طعام الفجاءة حرام".
الأستاذ الدكتور: إبراهيم عبد المنعم سلامة.
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية ـ كلية الإداب جامعة الإسكندرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك