في تاريخ الجريمة المعاصر، يظل ملف “القـتلة المتسلسلين: Serial Killers” هو الأكثر تعقيداً وإثارة للرعب.
هؤلاء ليسوا مجرد قتلة عشوائيين.
هم غالبا أشخاص سيكوباتيون يملكون أسلوباً إجرامياً محدداً، وبصمة نفسية لا تتكرر، وطقوساً تبدو مقدسة في انتقاء الضحايا.
خذ عندك مثلاً “سفاح لندن” الذي لا يصطاد إلا بائعات الهوى في الأزقة الضبابية بمبضع جراح دقيق، أو “خانق بوسطن” الذي لا يثير شهوته للقتل إلا العجائز الوحيدات، ولا يخنقهن إلا بجوارب الحرير….
هؤلاء لا يقتلون بعشوائية، واختيار الضحية عندهم له توقيعٌ لا يقل وضوحاً عن بصمة الإبهام! وحين يتم القبض على “الوحش”، وتُصفد يداه، وتُلتقط له صور السجن الجانبية، تتنفس المدينة كلها الصعداء؛ تنام الأمهات باطمئنان، وتعود الحياة لطبيعتها، وتكتب الصحف بالخط العريض: “انتهى الكابوس”.
لكن، ماذا لو استيقظت المدينة في صباح اليوم التالي على خبر عاجل، وجثة جديدة تشبه ما مضى؟ ! نفس الجروح، نفس التوقيت، نفس “التوقيع” الدموي المميز! “القـاتل المفترض” يقبع تحت حراسة مشددة في زنزانة انفرادية لا يدخلها الضوء! هنا، لا يصرخ المحققون فقط، بل يُجن جنونهم.
إن هذا يعني أن ثمة احتمالين كارثيين لا يريد أحد حينئذ تصديق أي منها: إما أن “الشر” لا يزال حراً طليقاً وأن الذي يقبع في الزنزانة ليس هو القاتل الحقيقي! وإما أن المجرم لم يكن وحده.
ربما يكون له “شريك خفي” يحيا بين الناس ويستبعد تماماً من دائرة الشك! عندئذ سيكون السؤال الذي يتصدر المشهد كله هو: من؟ من المسؤول عما يحدث؟ من المجرم الحقيقي؟ من شركاؤه الذين لم نعرفهم؟هذا هو بحذافيره السؤال الذي يبرز للسطح كلما عصينا وزللنا في رمضان.
الحديث واضح، والقانون الكوني صارم: “إِذَا كان أول ليلة من رَمَضَانُ.
صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ومردة الجان”، لقد تم القبض على “العرّاب الأكبر” للشياطين “إبليس” وتم إيداعه في الحبس الانفرادي، وتم تصفيد مساعديه من المردة بالأغلال.
إذن المحرض الأول، ومنبع الإفساد، ومبتدأ الضلالة، غائب عن مسرح الجريمة وله “حجة غياب” كما يقول المحققون.
لكننا نظل نعصي! نزل، نقصر، ونغفل، ونجترئ… فلماذا؟ ! من يوسوس لنا وقد قُيّد الوسواس الخناس؟ ! من يغرينا بالسيئات وقد حُبس العدو الذي يعد تلك السيئات سلاحه الاستراتيجي؟ !
هنا تداهمنا الحيرة، وتكثر علامات التعجب، خصوصاً ونحن نرى وتيرة “سباق الإلهاء السنوي” تزداد ضراوة في رمضان تحديداً، وكأن الشياطين قد أطلقت لا حُبست! ثمة إجابة “كلاسيكية” مريحة تقول: إن التي تُصفد هي الشياطين المردة فقط، الرؤوس الكبيرة، أما صغار الشياطين فيتركون أحراراً ليعبثوا بنا.
قد يكون هذا صحيحاً وهو قول معتبر، لكنه ليس التفسير الوحيد، ولا هو في رأيي المتواضع التفسير الأكثر واقعية.
الإجابة الأقرب للمنطق تتلخص في مثل شعبي مصري عبقري يختصر قوانين الوراثة في ثلاث كلمات: “اللي خَلِّف، ما ماتش”.
وكذلك من استخلف.
إبليس لم يغب إلا بعد أن اطمأن تماماً.
لقد استطاع عبر قرون طويلة أن يربي “وَرثة” يكملون مسيرته، وشياطين من نوع آخر أخطر، لأنها لا تتأثر بالأغلال والأصفاد، شياطين لا تُحبس في رمضان.
بعضها يجري منا مجرى الدم، وبعضها يمشي بيننا على قدمين: “النفس”، تلك التي نحملها بين جنوبنا أحد المتهمين وأحيانا الشركاء المعتبرين، اعتدنا دوما على أن نعلق كل تهمنا على شماعة الشيطان “الشاطر”، لكن بفتح “ملفات القضايا الكبرى” في القرآن، سنكتشف المفاجأة المذهلة الشيطان لم يذكر فيما حدث لسيدنا يوسف، ولم يكن المتهم الأول في دم ابن آدم! في أول جريمة قتل عرفها البشر، لم يكن إبليس هو المحرض المباشر.
لقد كان النص القرآني حاسماً في توجيه الاتهام: ((فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيه))، من الذي طوع؟ من الذي ضغط على الزناد؟ إنها “نفسه”.
وعندما عاين سيدنا يعقوب قميص يوسف المخضب بالدماء كانت النفس هي التي سارع إليها ذهنه واتهمها: ((وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون)).
وبعد سنوات من جريمة المراودة الدنيئة ليوسف عليه السلام، وقفت امرأة العزيز في النهاية لتعترف بشجاعة متهمة نفس المتهم: ((وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء)).
حتى جريمة “السامري” الذي أضل أمة كاملة وصنع لهم عجلاً يعبدونه في وجود نبيين، حين سُئل عن دافعه، قال بوضوح: ((وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي))، النفس الأمارة بالسوء هي “المتهم الخفي” الذي دربه إبليس جيداً، ثم تركه يعمل بنظام “الطيار الآلي”، حتى “الوسوسة” و”الشح”، نسبهما القرآن للنفس أيضا: ((وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ))، ((وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحّ)).
المتهم إذن موجود بالداخل، ولا يحتاج لتعليمات خارجية ليتحرك.
فيا صديقي.
تصفيد الشياطين في رمضان ليس “صك براءة” لنا، ولا يعني اختفاء الشر.
هو فقط يعني أن “المحرض الخارجي” قد تم تحييده لأجلٍ مسمى، ولتكشف الحقيقة، وتواجه شركاء كانوا يختبئون خلف عباءة إبليس.
المعركة الآن ليست مع المجرم الحبيس، المعركة الآن أشبه بـ”حرب أهلية” داخلية تدور رحاها داخل الصدور، والحروب الأهلية يا صديقي هي من أصعب أنواع الحروب، لأنك لا تواجه فيها “عدواً” غريباً.
بل تواجه “قطعة منك”.
رمضان يأتي كل عام ليسحب منك “شماعتك” المفضلة، ينتزع منك ذريعة: “الشيطان شاطر”، و”الوسواس غلّاب” ليتركك في منتصف مسرح الجريمة، تحت بقعة ضوء ساطعة.
رمضان يضعك أمام المرآة، ويغلق عليك باب الغرفة، ويهمس في أذنك بالحقيقة التي نتهرب منها طوال العام: أنت لست دائما الضحية، والمتهم ليس دوما خارج أسوارك.
تأمل ملامح ذلك “الشريك الخفي” الذي طالما اختبأ خلف عباءة إبليس.
فلقد سقط القناع.
وحان وقت المواجهة والصراحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك