في سيرة حياة كوكب الشرق أم كلثوم، لا سيما في مرحلة البدايات، حكايات كثيرة ارتبطت بشهر رمضان المبارك وقت أن كانت تجوب القرى والمدن إحياء لليالي هذا الشهر الكريم، وعن هذه المرحلة عثرت على صفحة من مذكرات الشيخ زكريا أحمد وخطاب أرسلته له أم كلثوم، نشرتهما مجلة الكواكب في عدد خاص عن الموسيقار الشيخ بتاريخ الرابع والعشرين من فبراير 1970.
يقول الشيخ زكريا أحمد: «عندما أعود بذاكرتي إلى الوراء، وأستعين بمفكرتي القديمة التي أحتفظ بها.
أجد أنني لم أسمع باسم أم كلثوم قبل عام 1919، ففي ذلك عام دعيت لإحياء شهر رمضان عند أحد تجار السنبلاوين وكان يدعى علي أبوالعينين.
وقد عرفني به المرحوم الشيخ أبوالعلا محمد، الموسيقي المعروف، ومحمد عمر، عازف القانون.
وقد اتفق معي التاجر المذكور على أجر مناسب، بشرط أن أغني بعد انتهائي من تلاوة القرآن.
ذهبت إلى السنبلاوين.
وبدأ شهر رمضان، وسهرات رمضان، وقبل مضي أسبوع حضر المرحوم محمد عمر القانونجي في إحدى الليالي، وبدأنا في إحياء حفلات غنائية، أنا بصوتي مع العود، وهو يصاحبني بالقانون.
وفي إحدى الليالي أخبروني بأنهم أعدوا مفاجأة عظيمة.
فإنهم اكتشفوا في بلدة مجاورة أجمل صوت سمعوه.
وانتظرت.
فحضرت فتاة صغيرة تلبس العقال وتتعثر في خطواتها الخجلة، ولا أدري السر الذي جذبني نحو هذه الفتاة وجعلني أؤمن بأنها لا بد صاحبة هذا الصوت العجيب، بالرغم من أن أخاها الشيخ خالد، كان يتقدمها في السن، بل ويكاد يقود حركاتها.
وبدأت أحادثها.
فراعني ذكاؤها الخارق بالنسبة لسنها التي لم تكن تتعدى الخامسة عشرة، وأعجبني منها أيضاً خفة دمها وروحها، وهي لم تفارق أم كلثوم حتى الآن - وإن كانت وقتها تمتاز بسذاجة الفطرة الريفية، وأخيراً طلبت منها أن تغني فغنت وأبدعت، وروت وأشبعت، ومنذ ليلتها وأنا أصم لا أسمع إلا صوتها.
أبكم لا أتحدث إلا باسمها.
فقد أصبحت مفتوناً بها، وأقول مفتوناً لأنني أحببتها حب الفنان للحن خالد تمنى العثور عليه دهراً طويلاً، وتشجعت وألححت عليها في الرجاء بأن تزورني دائماً طيلة شهر رمضان فاستجابت لرغبتي، ولم تكن استجابتها حباً في عيون العبد لله، بل كان لشغفها بالاستماع للقصائد والأغاني.
وهكذا توطدت علاقتي وصداقتي بأم كلثوم وأخيها الشيخ خالد، دعتني لزيارتها بمنزلها بطماي الزهايرة، وهناك عرفتني بوالدها المرحوم الشيخ إبراهيم.
وكان رجلاً في غاية التقوى والورع، فقضيت معهم أوقاتاً طيبة، استعدت فيها نزوات الصبا، إذ كنت أمص مع أم كلثوم القصب وألاعبها الورق على الطبلية.
وذلك لإرضائها، فقد كانت أم كلثوم وقتها فتاة طليقة غير مقيدة بالمسئولية التي تقيدها الآن، وكانت لا تحب سوى الموسيقى والمرح.
وأخيراً انتهى رمضان وافترقنا، فعدت أنا إلى القاهرة، وبقيت هي بطماي الزهايرة.
عدت إلى القاهرة فغمرتني الحياة الصاخبة التي تغمر كل شيء حتى الذكريات السعيدة ولكن أم كلثوم ظلت من جانبها تراسلني بخطابات تحمل عبارات ساذجة مكتوبة بحبر أخضر يذكرني بالخضرة والصوت الحسن، وكانت خطاباتها تدفعني دائماً إلى القيام بالدعاية لها من حيث لا تدري ولا أدري.
وفي نهاية عام 1920 زارني أحد أصدقائي من التجار، وطلب مني إحياء فرح له، فكتبت لها، وكان أول خطاب أكتبه إليها.
وجاءني منها الرد بالقبول بعبارة مؤدبة، وكانت أجرة الليلة ثمانية جنيهات.
زدتها بعد الحفلة إلى عشرة جنيهات.
وقد دعوت في هذه السهرة المرحومين الشيخ علي محمود والشيخ أحمد ندا.
وبعد أن سمعاها آمنا بها إيماني بها من قبل».
انتهى كلام الشيخ زكريا أحمد، وإذا صح تقديره لعمر أم كلثوم أنها كانت صبية في الخامسة عشرة حين التقاها للمرة الأولى سنة 1919 فهذا معناه أنها من مواليد 1904 وليس 1898 مثلما هو شائع، كما يشير أيضاً إلى أنها كانت تأتي إلى القاهرة لإحياء بعض الحفلات منذ بداية العشرينات، وليس سنة 1924، على عكس ما يحاول البعض التأكيد عليه، وهو اكتشاف يزيل كثيراً من الغموض والالتباس الذي صاحب البدايات الأولى لكوكب الشرق، والفضل فيه لتلك الحكاية التي وقعت تفاصيلها في شهر رمضان عام 1919.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك